أكّد وزير الشؤون الدينية في تونس، نور الدين الخادمي، أنّ مسألة الإصلاح الديني في البلاد مطلبٌ من المطالب الوطنية الملحة والضرورية بالنظر إلى ما تعرض له الشأن الديني في الماضي من تهميش وإقصاء عن الحياة الخاصة والعامة، في إشارة إلى عهد الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، مؤكدًا العمل على جعل الخطاب الديني سندا للتنمية والتربية والتزكية والتواصل مع كلّ مكوّنات المجتمع المدني والسياسي، لأنّ الشأن الديني هو شأن وطني بالأساس وليس شأنا خاصا بجماعة أو بحزب.وأوضح الخادمي، في حوار مع "العرب اليوم"، أنّ الثورة التونسية ساهمت في بروز العديد من الإفرازات الفكرية تحتاج إلى رؤية ونظر لفحص مشاكلها من أجل التعامل الفكري والحضاري مع جملة هذه الظواهر.
كما شدّد على أنّ الطائفتين المسيحية واليهودية في تونس لن تمسان بسوء لأنّ الانتماء إلى تونس مرتكز على أساس المواطنة لا الدين. وفيما يلي نصّ الحوار:
·كيف وجدتم حال المؤسسة الدينية في تونس بعد سنوات من تغييبها عن لعب دورها في المجتمع التونسي؟
- لقد تعرّض الشأن الديني في البلاد إلى مظالم كثرة من ذلك مثلا إغلاق الجامع الأعظم الزيتونة ومنعه من التدريس الشرعي وإبعاد العلماء والوعّاظ والأئمة عن أداء دورهم التربوي والتعليمي فحُرم الجامع من لعب دوره في التفسير والحديث والفقه وفي كل ما يتعلق بالعلوم الشرعية والعربية من ذلك مثلا حرمان العلماء من التدريس الشرعي وتقزيم جامعة الزيتونة وجعلها جامعة لم ترتق إلى المستوى المطلوب كجامعة علمية معرفية معروفة عبر التاريخ، ولها دورها في مقاومة الاحتلال الأجنبي وفي تحقيق الوحدة الوطنية والنهوض الحضاري، وأيضا تقزيم المواد الإسلامية في المعاهد والمدارس عبر التركيز على التناول الإشكالي الفلسفي والتساؤلي الذي لا يقرّب المعلومة بقدر ما يثير الإشكال ويورث الاختلاف ويغيّب المضمون التربوي والمعرفي في المتين والراسخ.
·ما هو برنامجكم لإصلاحها؟
- المستوى الأول الذي يحتاج فيه الشأن الديني إلى الإصلاح هو تجديد الخطاب الديني وترسيخ القيم الإسلامية والوطنية، أما المستوى الثاني فيتعلّق بالمجتمع والأسرة والفرد وعلى مستوى الثورة التونسية لان هذه الثورة تحتاج ترشيدا ثقافيا وفكريا ودينيا أيضا من اجل المحافظة على استحقاقاتها بما يحقق أهدافها وطموحات هذا الشعب الذي تعرض إلى مظالم كثيرة في العقود الأخيرة.
ولا يمكن للإصلاح أن ينجح دون العناية بحفاّظ القرآن الكريم والعلماء والأئمة والخطباء وكافة الإطارات الدينية، وأيضا تعزيز دور الواعظ الديني الذي كان في الماضي محروما من أداء الوعظ والإرشاد، ولا بد أن يعود له دوره على مستوى وظيفته الأساسية.
·ما هو الدور الذي تنشدونه للمؤسسة الدينية في حاضر تونس ومستقبلها؟
- نعمل على جعل الخطاب الديني سندا للتنمية والتربية والتزكية والتواصل مع كلّ مكوّنات المجتمع المدني والسياسي، لأنّ الشأن الديني هو شأن وطني بالأساس وليس شأنا خاصا بجماعة أو بحزب. كما أنّه يتعلق بكلّ مؤسسات ومكوّنات المجتمع التونسي، ومن هنا فان الوزارة تتعامل مع كل الشعب التونسي ومكوناته على قدم المساواة وتستفيد من الجميع طالما أن لهم الإضافة والخير والنفع المعرفي والفكري والسلوكي، والوزارة تتواصل مع الجميع لإقناعهم بأنّ الشأن الديني له أهميته الضرورية كالشأن العلمي والقضائي والتنموي وهو يتكامل مع بقية الشؤون الوطنية الأخرى.
- ما هي الإجراءات المتخذة من اجل تحييد المساجد و إبعادها عن السجال السياسي الذي تعيشه البلاد هذه الأيام؟
- المساجد هي موضع سجود وظيفتها الأساسية للعبادة والصلاة قراءة القران والذكر والتسبيح والقيام، وأيضا فيها دروس العلم الشرعي والتفسير إلى جانب حلقات تحفيظ القرآن وترتيله وفيها الخطيب يخطب في الناس لجعلهم أناسا صالحين، فالإمام يتطرق إلى قضايا المجتمع من جانبها الديني فقط دون أن يكون حديثه حزبيا او حديثا سياسيا ثانويا خاصا ينتصر فيه لحزب على حساب آخر أو يدعو فيه لفصيل على حساب فصيل.
يجب أن نفرق بين المساجد ودورها العبادي والتربوي والعلمي، وبين المساجد كدعاية سياسية أو حزبية، فالمساجد لا ينبغي أن تكون فيها دعاية سياسية أو حزبية والإمام يخطب للجميع، لأنّ المصلين فيهم من يختلف مع غيره في الخيار السياسي أو الاتجاه المذهبي وبالتالي لا يجوز للخطيب أن يفرق بينهم بل هو إمام الجميع وهذا ما يدعونا إلى الحديث على أن المساجد ينبغي أن تحيّد على الخطاب الحزبي أو الخطاب المذهبي الفئوي أو الخطابات التي تفرّق بين الناس وتحدث القلاقل.
·هل نجحت الوزارة في إبعاد بيوت الله عن الشأن السياسي والصراع الإيديولوجي؟
- الاتجاه العام في البلاد يسير نحو الطمأنينة والتهدئة وترك هذه الانفلاتات التي كانت في الماضي كثيرة متكاثرة، أما الآن فقد بدا الوضع يستتب واستقرت الأوضاع في الغالب وأصبحت المساجد على وضعها الطبيعي، باستثناء بعض الحالات من الاضطراب التي ستعالج بحكمة ورصانة عبر تحرك الوزارة بالتنسيق مع الأطراف المعنية.
·هناك دعوات لتكوين "هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ما هو موقفكم من ذلك؟
- بعد الثورة ظهرت عدّة إفرازات فكرية وسياسية واجتماعية سواء فيما يتعلق بالخطاب الديني أو الأداء الديني، وهذه الإفرازات كلّها إنما هي مآلات طبيعية للثورة في تطورها وتعاقب إحداثها وطبعا هذه الإفرازات تحتاج إلى رؤية ونظر وتحقيق وفحص مشاكلها عبر تشريك كلّ المكوّنات من اجل التعامل العلمي والحضاري والفكري مع هذه الإفرازات.
والناس أحرار فيما يقولون وما يفعلون ولكن المقاربة الصحيحة تتأسس على الرؤية الشاملة وعلى المضمون والارتباط بالدين والقانون وبالممكن والمستطاع دون الوقوع في تفريط أو إفراط. والحكم على الأشخاص او الجماعات يتأسس على استقراء كل ما يتعلق بها من أعمال وأنشطة وخلفيات فكرية وأداء سياسي ومحصول في العمل والأداء.
·انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تدعو إلى محاربة الحكومة لأنّها لا تحكم بما أنزل الله، كيف ستتعاملون مع مثل هذه المجموعات التي يمكن أن تتبنى العنف ضدّكم؟
- طبعا، عبارة العنف هي مثيرة للجدل والعنف في أحواله لا يجوز ولا يمكن ان يرد في التعامل مع قضايا فكرية وسياسية، ونحن نرفض من حيث المبدأ العنف شكلا ومضمونا ونرحّب بالمجادلة والحوار والاعتراض السلمي والفكري والعلمي أحسن وأفضل أمّا خلاف ذلك يؤدي بنا إلى مشاكل كثيرة لا حصر لها.
والتعامل مع كلّ من يتبنى العنف يجب أن يكون بناء على قراءة وتفسير ومناقشة مستفيضة.
·ما هي الرسالة التي توجّهونها للطائفتين المسيحية واليهودية في تونس خاصّة وأنّهما قد عبّرتا في أكثر من مناسبة عن ترحيبها بالتغيير الذي شهدته تونس وبنتيجة الانتخابات التي أوصلت الإسلاميين إلى الحكم؟
- الأقليات في تونس محترمة وحقوها محفوظة والمعروف أنّ تونس هي لكل التونسيين بما في ذلك من هم جزء من المجتمع التونسي وليسو على الدين الإسلامي، أو الوافدين من الخارج في إطار الإقامة أو العبور وجميعهم حقوقهم محفوظة وبحفظ الإسلام لهذه الحقوق وهذا ثابت عبر التاريخ.
والجميع يعيشون على أساس المواطنة والانتماء إلى الدولة في إطار الحقوق والواجبات ولا على أساس عرقي أو جنسي أو ديني، كما أنّ المسار السياسي الذي تعيشه تونس اليوم يضمن حقوق الجميع ويمنع الافتتان. والأقليات الدينية في تونس لن يمسّهم بأي سوء طالما يعيشون على أساس المواطنة ولهم حقوق وعليهم واجبات.
·راجت عديد الأخبار عن وجود حركات تشيّع في المجتمع التونسي وخاصّة في المحافظات الداخلية، هل لدى الوزارة إحصائيات حول ذلك وكيف تصرّفها؟
- المشهد فيه ما هو معروف ومعلوم وفيه ما هو معروف وغير معلوم نظرا لطبائع معيّنة عدّة، لكن المعلوم هو أنّ المجتمع التونسي هو سنّي والمذهب السائد في البلاد هو المالكي مع الانفتاح على المذاهب الأخرى على مستوى البحث والدراسة والقضاء في بعض المجالات أو على مستوى الإفتاء في بعض الأحوال. كما أنّ السمة العامّة والخاصيّة الكبرى للشعب التونسي أنّه شعب سنّي مالكي وهذا أمر مركوز في نفسية التونسيين ومحلّ وفاق واتفاق وهو أيضا محلّ اعتزاز وافتخار لدى غالبية التونسيين. وعموما المشهد فيه تصورات واستيعاب معين ونحن دائما نذهب إلى التي هي أحسن عبر الحوار والمحاججة السلمية واعتماد الدليل الشرعي والحجة المنطقية وأيضا جمع الكلمة وتوحيد الصفّ والمحافظة على الوحدة الوطنية وعلى الوحدة الإسلامية والعربية.



