الأخبار الأكثر قراءة
آخر الأخبار
- لبنان: "أوتو آسيا موتورز" شاركت في مباراة أفضل الابتكارات
- "هيونداي" و"كيا" تدعمان يورو 2012 لكرة القدم بتزويد البطولة بسياراتهما
- "BMW" تكشف عن تفاصيل النسخة خماسية الأبواب من "m135i"
- "ماكلارين MP4-12C سبايدر" المكشوفة سترى النور قبل نهاية هذا العام
- "BMW" تعلن رسميًا عن إطلاقها طرازي "316i" بخيار الدفع الرباعي
مأمون فندي
abc
مناظرة مصر لا تليق بمصر!مأمون فندي الاثنين 14 أيار / مايو 2012 02:17:47 المناظرة الرئاسية في مصر لم تكن تاريخية كما روجت لها الإعلانات التجارية المصاحبة لها والتي وصلت أحيانا إلى نصف ساعة متواصلة من الإعلانات، بل كانت بداية عملية ممنهجة لتزوير الوعي قبل أن تبدأ عملية الانتخابات الرئاسية بأسبوعين.شاهدت المناظرة في القاهرة بين المصريين وتابعت رد فعل بعضهم، وكان هناك نوع من الإجماع، رغم إبهار الأضواء التلفزيونية، أن المناظرة كانت بداية الغش في العملية الانتخابية القادمة. فعلى العكس من الدول الديمقراطية الناضجة مثل بريطانيا وأميركا مثلا والتي تحدد فيها مواعيد المناظرات بصرامة ومكان عقدها ومن يديرها على شاشات يمولها دافع الضرائب، جاءت أول مناظرة مصرية خالية من أي معايير حاكمة، بل وصلت أحيانا إلى أن تكون مخالفة صارخة للعرف الانتخابي في العالم، إذ قامت على المناظرة مؤسسات إعلامية خاصة تسعى من ورائها الربح. المناظرة كانت برعاية أربع مؤسسات إعلامية تجارية هي «المصري اليوم» و«الشروق» و«تلفزيون دريم» و«أون تي في»، وكلها مؤسسات إعلامية يملكها رجال أعمال لهم مصالح. الديمقراطيات الغربية تجعل التلفزيون العام هو الراعي للمناظرات، وذلك لأنه يمثل المواطن العادي دافع الضرائب، أما في مصر فالتجار هم رعاة المناظرة. وهنا يبدأ خلط الأوراق بين السياسي والتجاري في الحالة المصرية. ماذا يعني أن تقوم قنوات وصحف خاصة برعاية هذه المناظرة من حيث تأثيرها على طريقة تصويت الناخبين قبل أن تبدأ العملية الانتخابية؟ في وقت يتنافس فيه مرشحون مصريون لمنصب الرئيس يصل عددهم إلى أحد عشر مرشحا جادين، قرر أصحاب الصحف والقنوات التي رعت وبثت المناظرة نيابة عن الوطن أن هناك مرشحين جادين والبقية كومبارس، أي حصرت هذه القنوات والصحف عملية الاختيار والاقتراع على شخصين هما عمرو موسى وعبد المنعم أبو الفتوح، وأن ما عدا الرجلين إما ليس مرشحا جادا من وجهة نظر هذه القنوات، وإما أن البقية غير مهمة. اثنان من المرشحين، إما عمرو موسى وإما عبد المنعم أبو الفتوح، وحصار الشعب المصري بين خيارين فقط بدلا من أن نضع أمامه كل المرشحين، هو بداية حملة تضليل ملفوفة بحرير إجماع شعبي واستطلاعات رأي كاذبة تقول بتفوق المرشحين، لذا قامت القنوات التجارية ببث المناظرة على الطريقة التي ارتأتها. ما حدث في مصر نتمنى تجنبه في ليبيا وتونس ودول الربيع العربي لأن ما حدث في مصر هو نوع من صناعة إجماع زائف لدى المصريين على شخصين بعينهما على حساب بقية المرشحين وبرامجهم وأفكارهم. ليس بمستغرب على رجال الأعمال في مصر أو في غيرها أن يحاولوا التقرب من الرئيس القادم أو صناعته على مقاسهم، ولكن الغريب هو مجاراة اللجنة العليا للانتخابات والقائمين على الحكم وكذلك وسائل الإعلام بأن تسمح بهذا الخرق الواضح لقواعد العدالة بين جميع المرشحين. غريب أن يحدث هذا في بلد يتحسس طريقه نحو الديمقراطية، وغريب أيضا أن يكون أول القصيدة كفرا أو أول انتخابات بعد الثورة تبدأ بالتضليل. لم يكن جانب الغش وتضليل الشعب هو الخطأ الوحيد في تلك المناظرة التي لم تكن على الإطلاق تاريخية، بل كانت هناك جوانب أخرى مخالفة للقيم والمعايير الحاكمة لعملية الانتخابات، سواء في ما يخص نوعية المشاركين من المرشحين أو نوعية الصحافيين المشاركين الذين انكشفوا أكثر من انكشاف المرشحين. بداية كانت المناظرة تعكس سقطة مهنية لأنها كانت مناظرة خالية تماما من الأرقام، أي لم نسمع عن حجم الاقتصاد المصري وقطاعاته المختلفة ونوعيتها، ومن هذه الأرقام كيف للمرشح أن يحسن من أداء أي قطاع من تلك القطاعات. في الانتخابات الأميركية مثلا تدور معظم الأسئلة حول ميزانية الدولة محسوبة لآخر سنت تعرض على المرشحين ليقولوا لناخبيهم ماذا تعني الأرقام المطروحة وكيف للمرشح أن يقلص الديون المستحقة وينقل البلد من حالة ما تحت الصفر إلى ما فوق الصفر. ولكن جاءت المناظرة خالية الأرقام تماما. لم تذكر أرقام عن السياحة أو حتى عن دخل قناة السويس. لم تذكر أرقام عن عدد سكان مصر ونصيب الفرد من الاقتصاد العام وطريقة تحسين مستوى دخل الفرد. لم تكن هناك أي أسئلة عن عدد الأسرّة في المستشفيات أو عدد الأطباء مقابل كل مواطن. لم يذكر رقم واحد عن موازنة التعليم وعدد المدارس وعدد الطلاب المنخرطين في العملية التعليمية. أرقام كثيرة كان من الممكن أن تناقش في هذه المناظرة المفترض أنها تاريخية ولكنها جاءت كمناظرة بلا أرقام، مناظرة لم تكن تشبه المناظرات في الدول الديمقراطية بل كانت أشبه بمناظرة على مقهى عام، حيث كانت أسئلتها كلها في العموميات. كانت الأسئلة مثل كرة النساء المعروفة بـ«السوفت بوول»، أو مدرسة نانسي عجرم في الأسئلة السياسية «مدرسة أطبطب وادلع». فهل هذا هو أفضل إنتاج لأربع مؤسسات صحافية مختلفة؟ تحدث عبد المنعم أبو الفتوح مثلا عن تاريخه النضالي وأتبع ذلك بأنه يفضل النظام الرئاسي البرلماني على غرار نظام الحكم الفرنسي دونما إشارة من أي من المذيعين إلى أن النظام البرلماني الرئاسي الفرنسي جاء مع جنرال قوي عليه إجماع وطني مثل الجنرال ديغول، ونضال أبو الفتوح كرئيس اتحاد طلاب جامعة القاهرة في السبعينات أو كونه رئيس اتحاد الأطباء العرب أو حتى نائب المرشد في تنظيم الإخوان، كل ذلك لا يجعل منه ديغول مصر أو مانديلا مصر، فشتان بين نضال ونضال، ولكن كانت المقارنات الكبرى تمر على المذيعين مرور الكرام. تلك هي النقطة التي قال فيها لويد بنسن في مناظرته كنائب للرئيس ضد دان كويل في انتخابات الرئاسة الأميركية ضد جورج بوش الأب.. قال بنسن المرشح الديمقراطي لنظيره الجمهوري دان كويل عندما تحدث عن جون كيندي: أنا أعرف جون كيندي، جون كيندي كان صديقا لي، وأنت لست جون كيندي. ويمكن في هذا السياق أن أبو الفتوح ليس ديغول، ولكن لم يجد من يصححه. لم يسأل أي من المذيعين المرشح عمرو موسى ولو سؤالا واحدا محددا بأرقام عن السياسة الخارجية المصرية، فقط كانت الأسئلة عن تراجع الدور المصري في أفريقيا، لم يسأل أحد متى تراجع الدور ومدى حجم التراجع بالأرقام. لقد انحسرت المناظرة في اتهامات: أنت إخوان.. وأنت فلول. القضية بالنسبة لي ليس ما قيل في المناظرة ولكن الطريقة التي سجنت فيها المناظرة خيارات المصريين في مرشحين اثنين قبل أن يبدأ السباق، وهذا هو الغش من المنبع، أي قبل أن تنطلق صفارة البداية. ومن هنا تكون أول مناظرة تاريخية هي البداية الخطأ لسباق الرئاسة في مصر! نقلاً عن جريدة "الشرق الأوسط"
abc
تصور لخروج مصر من أزمتها الحاليةمأمون فندي الاثنين 07 أيار / مايو 2012 02:35:09 مصر، ولا يكن عندك أي شك، في أزمة حقيقية، على أربعة مستويات: المستوى الأول هو المناخ العام الذي تجري فيه الأحداث والمطلوب تغييره، فالمناخ السائد في مصر هو مناخ مراهقة سياسية وعنف كعنف المراهقة. أما المستوى الثاني فهو مستوى المؤسسات التي يجب إعادة هيكلتها أو إعادة بنائها لكي تحظى بشرعية القبول، وأولها مجلس الشعب الذي ولد ناقصا، ووزارة القمع المعروفة بوزارة الداخلية، فأي نظام لا يحظى بشرعية وقبول فهو نظام معرض دائما للهزات، وفي ذلك وصفة لعدم الاستقرار على المدى الطويل. أما المستوى الثالث فهو مستوى القيادة أو الأشخاص الذين يديرون دفة الأمور والذين يجب أن يتم اختيارهم بناء على مبدأ الكفاءة لا مبدأ المكافأة، بتنوع يعكس تنوع الوطن وليس «الشللية». فمصر الآن بينها وبين الدول الفاشلة خطوة أو خطوتان، وليعي القائمون على الأمر هذه الحقيقة المرة. أما المستوى الرابع فهو الإعلام المصري الذي ابتعد عن المهنية إلى درجة أصبح فيها التلفزيون والصحيفة مجرد أداة للترويج سواء لأفكار هدامة أو لمصالح شخصية ضيقة تتناقض مع الهدف الاستراتيجي الخاص ببناء دولة على حافة الفشل. ففي مصر اليوم أناس يلبسون بدلاتهم ذوات القطع الثلاث يظهرون على الشاشات يقولون قولا مراهقا، يتزينون وكأنهم ذاهبون إلى مأتم لدفن بقايا رفاة وطن.يقولون إن الوصف هو نصف العلم، وما سبق أظنه توصيف قريب إلى واقع الحال، ولكن إسهامي اليوم ليس في التوصيف وإنما في رسم ملامح أولية لخطة تخرجنا من الأزمة، أتمنى أن تأخذ النقاط الأربع التي تمثل جوهر هذه الخطة بعين الاعتبار في النقاشات الدائرة للخروج بمصر من هذا المأزق الذي يأخذنا إلى حافة المجهول. أولا إعادة رسم ملامح الملعب وتحديد قواعد اللعبة تحديدا صارما. لكي تغير المناخ الذي تسير فيه الأحداث لا بد من إعادة رسم ملامح الملعب الذي تحدث فيه السياسة ويحدث فيه العنف وتحدث فيه المظاهرات والاحتجاجات، ثم بعدها توضيح قواعد اللعبة بما لا يسمح بالغش فيها، باسم الدين أو باسم حماية الوطن. خطتي للخروج من الأزمة، تبدأ بوقف مهزلة الانتخابات مؤقتا، لأن المضي في الانتخابات في هذا الجو هو جريمة في حق الوطن. مشكلة مصر ليست في اختيار رئيس وإنما إنتاج شرعية قبول لنظام بأكمله. لقد قمنا بانتخابات مجلس الشعب وحذرت يومها من المضي قدما فيها، فماذا كانت النتيجة؟! أنتجنا مجلسين للشعب والشورى ليس لأي منهما من الشرعية من شيء، أناس يتبخترون في شوارع القاهرة وعلى الشاشات كل منهم يسمي نفسه عضو برلمان وليس له من الشرعية سوى بطاقة أو كارنيه يحمله في جيبه. بنفس الطريقة التي أنتجنا بها مجلس الشعب سننتج أيضا رئيسا لمصر، رئيسا خالي الدسم أو فاقدا للشرعية سينقلب عليه الشعب قبل مرور عام على توليه الرئاسة. الخطة التي أطرحها أمامكم، تبدأ بمرحلة انتقالية لمدة عام كامل من الآن، يسمي فيها المجلس العسكري رئيسا مؤقتا من أحد الجنرالات الشباب الذين لم يكونوا طرفا في الأحداث، جنرال شاب ليس من المجلس العسكري الحالي، ولم يكن طرفا في نظام مبارك، يعاونه خليط من المدنيين والصف الثاني من الجنرالات لإنتاج جو يأخذنا إلى مصاف الدول المحترمة التي تبدأ حياتها برسم دستور للبلاد يشارك في كتابته كل أبناء الوطن. وليس لدي شك في أن الجنرالات الشباب ممن تدربوا في الخارج والداخل رأوا بأم أعينهم كيف تبنى الدول المحترمة، ولا أظن أنهم يريدون لوطنهم أن يكون أقل من أي منها. مطلوب من هذا الجنرال الشاب اختيار رئيس للوزراء لا يقل كفاءة وإخلاصا عن الدكتور محمد البرادعي يدير المرحلة الانتقالية التي تضع مصر على الطريق الصحيح بنزاهة شديدة، شريطة أن يلتزم بعدم الترشح لأي منصب عام بعد القيام بهذا الدور الوطني المنزه عن المآرب الشخصية. مهم جدا لرئيس الوزراء الجديد وشباب الجنرالات أن يمنحوا المشير طنطاوي وجماعته الأمان، أي أن يخرجوا خروجا آمنا، ومن دون محاكمات، فجزء كبير من الارتباك والارتعاش الذي يمثل ملامح حكم العسكر في الآونة الأخيرة هو الخوف من المستقبل والخوف على أموالهم وأموال المؤسسة العسكرية التي تصل إلى المليارات من أن تطالها يد من لا يثقون في وطنيتهم. إذن المهمة الأولى أمامنا اليوم هي إيقاف مهزلة الانتخابات وإنتاج حكومة تدير المرحلة الانتقالية بهدف تهيئة المناخ لنقل مصر إلى حالة ديمقراطية حقيقية، ليست ديمقراطية صناديق الاقتراع وحسب كما يقترح الإخوان والسلفيون، فكلنا يعرف أن التزوير لا يبدأ أو ينتهي بالصناديق. فتزوير الانتخابات في مجلس الشعب بدأ بالتزوير من المنبع ثم تبعته الرشى وخطب المساجد والترغيب والترهيب. فمن يظن أن الصندوق هو الديمقراطية فهو واهم. الديمقراطية أساسها الفرد الحر الذي يدلي بصوته في جو من الأمان التام، ولا ينظر خلفه بعد الإدلاء بصوته لأنه صوت ضميره، لن ترهبه القبيلة أو يرهبه الدين. تنقية الأجواء للوصول إلى جو من الأمان في الإدلاء بالصوت هي الأساس في الحكم الديمقراطي. بعد تنقية الأجواء تدخل البلاد في انتخابات حرة لاختيار الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور الدائم للبلاد، شريطة أن يلتزم أعضاء الجمعية التأسيسية أيضا بعدم الترشح للمناصب العامة بعد ذلك، وأن تكون المفاهيم الحاكمة لهذا الدستور لا تزيد على أربعة مفاهيم معروفة، هي السيادة للشعب، وفصل السلطات، وتوازن توزيع القوة بين السلطات بحيث تستطيع أي قوة أن تعطل الأخريين إذا ما جنحتا للظلم أو الطغيان، والمراقبة القضائية على تواؤم القوانين والتشريعات مع روح الدستور. نريد دستورا للأجيال القادمة وليس للأحياء فقط. فمصر تستحق دستورا دائما يعكس رؤية حضارة قديمة ويعتبر إضافة إلى رصيد طرق الحكم على مستوى العالم وليس على مستوى المنطقة وحدها. الدستور أولا هو الحل. ففي كل بلاد الدنيا الدستور هو المظلة الكبرى التي تحوي مؤسسات الدولة، أما ما هو مطروح في مصر فهو عبث لا يليق بأمة تدعي أنها كانت يوما ذات حضارة. أما على مستوى المؤسسات، فلتبدأ الحكومة الجديدة في خطوتها الأولى بنقل مصر من مرحلة الديكتاتورية إلى الديمقراطية، وهي حل مجلس الشعب الحالي كخطوة أولى وإعادة هيكلة مؤسسات الديكتاتورية من الداخلية إلى الإعلام، وإعادة تأهيل الصحافة من صحافة الترويج للديكتاتور إلى صحافة الخبر. فجزء كبير من الأزمة هو إعلام تربى في جو فاسد. تأجيل انتخابات الرئاسة، والدستور أولا، وإعادة هيكلة المؤسسات، وقيادة جديدة، هي خطتي التي أطرحها للنقاش أمامكم، وأتمنى أن نناقشها بشيء من الجدية بعيدا عن المهاترات السياسية والمصالح الصغيرة. نقلاً عن جريدة "الشرق الأوسط"
abc
"الدولة الخرطوش"مأمون فندي الاثنين 23 نيسان / أبريل 2012 02:19:31 بندقية الصيد البلجيكية، أو الخرطوش، التي لها فوهتان أو «روحان» ينطلق منهما البارود، هي الصورة التي أبني عليها فكرتي عن «الدولة الخرطوش»، ومدى قدرة الثورة على إحداث تغيير في هذا النوع الجديد من الدول.في عهد الرئيس المخلوع، حسني مبارك، كانت تُحكم مصر عن طريق ديكتاتورية واحدة أساسها حكم العسكر منذ عام 1952 حتى يوم تنحي مبارك، وبهذا كانت ديكتاتورية مصر كالبندقية ذات الماسورة الواحدة، أما اليوم وبعد سيطرة التيار الديني على البرلمان المصري فلدينا ديكتاتورية أخرى هي ديكتاتورية الحركات الدينية التي تتدخل في دقائق الأمور الاجتماعية. ولو كنا أمام عملية إحلال؛ أي إحلال التيار الديني بديكتاتوريتيه محل الديكتاتورية العسكرية، لقلنا إننا استبدلنا بماسورة البندقية ماسورة أخرى، ولكننا اليوم في مصر لدينا العسكر في الحكم ولدينا التيار الديني في الشارع والبرلمان، أي لدينا ديكتاتورية بروحين، مثلها مثل بندقية الصيد ذات الماسورتين. ديكتاتوريتان في وقت واحد، يتمنى المصريون أن تزيل إحداهما الأخرى حال حدوث مواجهة بين «الإخوان» و«العسكر». مصر اليوم هي في مرحلة «شد الحبل»، أي أن الديكتاتوريتين باقيتان. وأن التحدي الذي كان يواجه القوى التي تنشد الحرية كقيمة كبرى، والتي أسقطت مبارك، أو أسقطت ديكتاتورية واحدة في عام 2011، مطلوب منها اليوم إسقاط ديكتاتوريتين، أو دخول حرب على جبهتين في ذات الوقت، وقضية دخول حربين في وقت واحد التي كان يتبناها وزير الدفاع الأميركي الأسبق، دونالد رامسفيلد، فشلت أكبر الدول العظمى في تحقيقها. ومن هنا نسأل: هل الثورة جعلتنا أكثر قربا من القضاء على الديكتاتورية، أم أنها جعلت الحرية هدفا صعب المنال بعد أن استبدلنا بالديكتاتورية العسكرية الواحدة، التي لم يكن لها جذور في المجتمع، ديكتاتوريتين، إحداهما متجذرة في الوعي الاجتماعي المصري، وهي ديكتاتورية التدين، حتى لو كان التدين مظهريا؟ فكيف لمن فشل في القضاء على ديكتاتورية واحدة أن يواجه ديكتاتوريتين في وقت واحد؟ لافت للنظر لمن شاهد مليونية الجمعة الفائت، التي ملأت ميدان التحرير، أن شرعية النظام بمجمله، وبعد مرور أكثر من عام على الثورة، محل شك كبير، فالبرلمان الذي من المفترض أن الناس انتخبوه لم ينجح في أن يلغي شرعية الميدان، بل إن أعضاء مجلس الشعب أنفسهم راحوا يبحثون عن شرعيتهم في الميدان، وكأن الانتخابات لم تحدث، أو أنهم في بداية حملة انتخابية جديدة من أجل كسب التأييد والشرعية. هذا المشهد يوحي بأن أحد الأركان الرئيسية لبناء شرعية في أي نظام، والمتمثلة في البرلمان، فشل في أن يحقق الهدف المرجو. الملاحظة الثانية التي تستحق اهتماما كبيرا هي الانتخابات الرئاسية التي تهدف إلى بناء عمود جديد يحمل شرعية النظام المصري. بداية، هناك حوار طويل عريض في مصر حول وظيفة هذا الرئيس وصلاحياته في غياب الدستور، وأن الرئيس المقبل ستكون له ذات الصلاحيات الواسعة للرئيس السابق، هذا على المستوى النظري.. ولكن إذا نظرنا إلى الأمور في الواقع وعلى الأرض، فربما نكتشف أن رئيس مصر في الحقيقة لم يكن سوى شخص بلا صلاحيات، وخذ مبارك مثالا على ذلك كي تتضح الرؤية. فمثلا.. ظن الشعب المصري الذي قام بالثورة أن مبارك هو رأس النظام، وأنه في 11 فبراير (شباط) استطاع أن يقطع رأس النظام وما هي إلا مسألة وقت حتى يتحلل الجسد الديكتاتوري بعد قطع رأسه ويزول ونبني نظاما جديدا أساسه الحرية. ومر أكثر من عام على قطع رأس النظام، ولكن الديكتاتورية بقيت أقوى مما كانت، وأن عدد القتلى في فترة حكم مبارك، ربما كلها، لم يساو عدد القتلى في ظل النظام الجديد، الذي قارب الـ2000 مصري حتى الآن. فإذا كان الأمر كذلك؛ فماذا كانت أهمية الرئيس في ديكتاتورية العسكر في العهد السابق؟ لو كان لدي تشبيه هنا؛ فالرئيس مبارك لم يكن رأس النظام، بل كان كما الزائدة الدودية في جسد النظام الديكتاتوري، التهبت الزائدة في 25 يناير (كانون الثاني) وتم استئصالها في 11 فبراير، وما هي إلا أيام قضاها النظام الديكتاتوري في المستشفى حتى تعافى من عملية الزائدة تماما وعاد أقوى مما كان من حيث شراسة الأداء. فها هو البرلمان قد فشل في استجواب وزير، وفشل أيضا في إقالة حكومة كمال الجنزوري. إذن العسكر أكثر قوة مما كانوا. فإذا كان الرئيس هو مجرد زائدة دودية في النظام العسكري، وسيكون أيضا كذلك لو كان «إخوانيا» عندما يأخذ أوامره من المرشد، كما يأخذ أحمدي نجاد أوامره من المرشد في الصيغة الإيرانية، فنحن أمام «رئيس طرطور»، كما تقول العامية المصرية. فإذا كان هذا هو الرئيس ووظيفته في ظل العسكر أو في ظل «الإخوان» ومرشدهم، فلماذا هذا السباق المحموم على رئاسة مصر؟ التحدي الأكبر للثورة المصرية اليوم يتمثل في ثلاث قضايا كبرى؛ أولها تخص مدى معرفة الثوار بالنظام الذي قاموا بثورة ضده، فرغم إيمان الجميع، وبحسن نية، في 11 فبراير 2011 أن الشعب قد نال حريته أخيرا وأن صباح الحرية قد انبلج من عتمة الديكتاتورية، فإن المفاجأة الكبرى كانت في أنهم استطاعوا عزل الديكتاتور وبقيت الديكتاتورية. أما القضية الثانية فهي أن شرعية النظام في مصر ليست في المؤسسات المدنية المتمثلة في البرلمان والرئيس والدستور، بدليل وجود برلمان بلا شرعية. والقضية الثالثة هي إضافة ديكتاتورية الدين، ولو كان تدينا مسيسا ومزيفا، إلى الديكتاتورية العسكرية. أي أن الثورة القادمة ستواجه دولة ديكتاتورية ليست بروح واحدة وإنما دولة كبندقية الصيد البلجيكية، بروحين أو ماسورتين؛ ماسورة الديكتاتورية العسكرية وماسورة الديكتاتورية الدينية. ماسورتان تطلقان ذات البارود وذات الدخان. ديكتاتورية عسكرية تخوّن المخالفين في الرأي، وأخرى دينية تكفّر مَن خالفها الرأي، فها نحن أمام التخوين كأداة رعب كان يستخدمها مبارك ضد أعدائه فقط، نحن أيضا أمام تخوين وتكفير للثورة في وقت واحد. إذا كانت تلك هي إنجازات الثورة أمام ديكتاتورية بروح واحدة، فترى أي ثورة سنرى في مواجهة ديكتاتورية بروحين؟ وترى أي إنجاز سيتحقق بعد أن وجدت الثورة نفسها في بطن الحوت حيث الظلمات بعضها فوق بعض؟ تحدث المصريون كثيرا عن استخدام الخرطوش من قبل وزارة الداخلية لضرب المتظاهرين، ولكن التحدي الأكبر هو فهمهم «الدولة الخرطوش»، الدولة ذات الديكتاتوريتين، أو «الديكتاتورية أُم روحين». نقلاً عن جريدة "الشرق الأوسط"
abc
ماذا يعني ترشح عمر سليمان لرئاسة مصر؟مأمون فندي الأحد 08 نيسان / أبريل 2012 01:55:38 سألني كثيرون عن موقفي من ترشح عمر سليمان، رئيس المخابرات في عهد مبارك، ونائبه في اللحظة الأخيرة، والذي انضم إلى سباق رئاسة مصر في اللحظة الأخيرة أيضا، وكانت إجابتي لا لبس فيها، ليس من بين مرشحي الرئاسة في مصر من لديه عصا موسى السحرية ليبحر بمصر في المرحلة الانتقالية إلى بر الأمان، لا عمر سليمان ولا خيرت الشاطر، مرشح الإخوان المسلمين، ولا موسى نفسه، أقصد عمرو موسى. ليس المهم هو الرئيس بالنسبة لمصر اليوم التي تنزلق إلى منحدر خطير، المهم هو طاقم الإدارة الذي سيعاون أي رئيس قد ينتخبه الشعب. مصر تحتاج إلى فريق يطمئن إليه المصريون والعالم على أنه قادر على إدارة المرحلة الانتقالية، وبفريق، هنا لا أعنى الفريق أحمد شفيق، بل أعني فريق عمل يطمئن المجتمع المحلي والدولي بأن مصر في أيد أمينة. وحتى هذه اللحظة لم نعرف من أي مرشح للرئاسة من هو الفريق المعاون له، ففي حالات الأزمات يجب ألا نختار رئيسا فقط وإنما نختار فريق إدارة، أي يعلن كل رئيس محتمل عن طاقم وزارته حتى يتسنى للشعب الحكم على الكفاءة وعلى القدرة. بداية، ومن خلال خبرتنا مع إدارة الأزمات أيام الثورة في الفترة من 25 يناير (كانون الثاني) حتى تنحي مبارك في 11 فبراير (شباط) من العام الماضي، كان هناك عمر سليمان، وكان هناك أيضا أحمد شفيق، وأثبت الرجلان أنهما لا يستطيعان إدارة الأزمة، مما أوصل مبارك إلى يوم التنحي بالصورة المهينة التي حدثت، صورة مهينة لمبارك وللثورة أيضا. ثم جاءت المرحلة الانتقالية التي أوكل فيها مبارك الحكم للمجلس العسكري، تسعة عشر جنرالا بقيادة المشير محمد حسين طنطاوي، والذين أظهروا بما لا يدع مجالا للشك أن معيار الاختيار للمعاونين لدى هذه القيادات لا يبشر بخير، من حيث قدرتهم ومعاونيهم على إدارة الأزمات. كما أن إدارتهم لأزمتي شارع محمد محمود، وماسبيرو، إضافة إلى حادثة تعرية الفتاة في الميدان، توحي بأن الإمكانات لدى هذه القيادات محدودة في أحسن الأحوال. إذا كان هذا ما نعرفه عن سليمان وشفيق، ترى بماذا يوحي خيرت الشاطر مرشح الإخوان أو عمرو موسى أو حمدين صباحي أو أيمن نور؟بداية، حمدين صباحي، الرئيس السابق لاتحاد طلاب جامعة القاهرة، بدأ تاريخه مع المواجهة المشهورة مع الرئيس السادات، وكان يومها عبد المنعم أبو الفتوح رئيس اتحاد طلاب طب القاهرة، والشاب الذي واجه السادات بفساد معاونيه، يومها قال له السادات «اقعد يا ولد». لا غبار على الرجلين، ولكن لا نعرف عنهما الكثير من حيث قدرة أي منهما على اختيار طاقم لإدارة البلاد، وليس في كلام أي منهما ما يوحي بأنهما مدركان لمدى الورطة التي نحن فيها. فغير الحديث المطروح في إطار النميمة السياسية التي تقول إن فريقا يضم البرادعي وصباحي وأبو الفتوح سيكون مرشحا لقيادة مصر، أي أبو الفتوح رئيسا وله نائبان البرادعي وصباحي. البرادعي معروف عنه أنه رجل متميز وأدار أعقد المنظمات الدولية بكفاءة في فترة إدارته لوكالة الطاقة الذرية، ومع ذلك وحتى الآن لا نعرف من أي من هؤلاء من سيعاونهم، باستثناء كلام غائم عن توزير (أي أن يعين وزيرا) بعض الشباب والاستعانة بشباب الثورة. أملي أن يفلح الثلاثة في أن يطرحوا تصورات محددة وعلى رأس كل تصور لكل وزارة من يديره ويعرفه، لكن حتى هذه اللحظة تسيطر على المشهد شخصية البطل أو الفرعون الجديد القادم، دونما معرفة من سيعاون الرئيس. البرادعي يصلح أن يكون رئيسا متميزا للوزراء شريطة أن يستخدم المعايير العالمية لاختيار معاونيه، وقد يكون هذا مطمئنا لمصر والعالم بأن إدارة البلاد في المرحلة المقبلة ستكون أفضل من نظام مبارك، وأفضل من حيث الأداء من المجلس العسكري. ولكن المؤشرات حتى الآن غائمة وغائبة. ويجب أن تنصب أسئلة المصريين للمرشحين في المرحلة الانتقالية حول: من سيعاونكم في مهامكم؟ وبناء على الإجابة يختار الشعب المرشح المناسب. أما خيرت الشاطر فتتلخص مهمته في توضيح الفارق بين حزب الحرية والعدالة والإخوان المسلمين، وماذا ستكون علاقة الرئيس بالمرشد، هل تشبه علاقة خامنئي بأحمدي نجاد في إيران؟ أي أن يكون المرشد هو القائد الأعلى والرئيس ما هو إلا أداة من أدوات المرشد؟ ليس هناك في مصر من يظن أن الفصل الوهمي بين مكتب الإرشاد وحزب الحرية والعدالة إلا واحدة من مهازل هذا الزمان؛ فخيرت الشاطر تم ترشيحه بناء على التصويت في مجلس شورى الجماعة وليس في مقرات حزب الحرية والعدالة، إذن هو مرشح الإخوان وليس مرشح الحزب. وأخيرا فيما يخص الشاطر، هناك مسألتان؛ الأولى تخص تنظيما عابرا للحدود اسمه الإخوان، نعرف أن مركزيته مصر، ولكنه تنظيم عالمي، ولا ندري أين ستكون قيادته غدا؟ ومن الذي سيحرك الشاطر؟ وبناء على أي أجندة؟ هل هي أجندة إخوان لندن أم الأردن أم ألمانيا؟ مصر تريد رئيسا مصريا من حزب مصري وليس رئيسا مختارا من تنظيم عالمي. رغم أنه ليس لدي شك في أن المجلس العسكري سيدير الانتخابات الرئاسية بذات الطريقة التي أدار بها انتخابات مجلسي الشعب والشورى، والتي شارك في انتخابات الشورى فيها ما يزيد على 6 في المائة من المسجلين للانتخابات، انتخابات حصل فيها بعض النواب على عدد أصوات أكبر من تلك المسجلة بكل الدائرة، وحيث كان التزوير من المنبع على غرار تقسيم الانتخابات بين 50 في المائة عمال وفلاحين، وجزء منها حسب قائمة الأحزاب وجزء منها بالنظام الفردي، بنفس الطريقة التي كان يتحايل بها العنصريون الأميركان لحرمان السود من التمثيل النيابي والمعروفة في علم السياسة بالجريمانرنج أي تقسيم الدوائر الانتخابية بطريقة تضمن لك ما تريد من النتائج، حيث تبدو الانتخابات حرة ونزيهة من حيث التصويت ولكنها مزورة من المنبع. القضية ليست نقد ما حدث، بل إمكانية أن يكون ما هو قادم أفضل، وحتى هذه اللحظة يغرق المصريون في شخصية مرشح الرئاسة، وليس طاقم إدارة البلاد في فترة حرجة. المجلس العسكري آثر السلامة ولم يحاكم أيا من رموز نظام مبارك، وقرر أن يترك الأمر لمن سيأتي بعده، ومن سيأتي بعد المجلس العسكري لديه مهام كبرى لإصلاح اقتصاد تم نهبه علنا وفي وضح النهار وبالمليارات، إلى نظام تعليمي لم يخرج سوى عقلية العبيد التي سادت فترة حكم الديكتاتوريات الثلاث في عهد مبارك والسادات وعبد الناصر. أما نكتة الموسم فالرئيس القادم لمصر لا يعرف حدود مهام وظيفته؛ لأن الدستور الذي يحدد تلك المهام لم يكتب بعد، أي أن المرشحين يبحثون عن منصب لا يعرفون ما هو. مرة أخرى لن ينقذ مصر لا عمر سليمان ولا الشاطر أو عصى موسى، مصر تحتاج إلى طاقم إدارة كفء، تحتاج لرجال ونساء أكفاء، وهذا ما يجب أن ينشغل به المصريون، وليس شخص الرئيس. نقلا عن جريدة الشرق الأوسط
abc
هل ينجح شباب مصر في حل حزب «الإخوان»؟مأمون فندي الأحد 25 آذار / مارس 2012 03:06:55 قامت مجموعة من الشباب الأوائل في الدعوة لثورة 25 يناير 2011، والمعروفة باسم اتحاد المحامين، بقيادة المحامي الشاب شادي طلعت، باتخاذ الإجراءات القانونية ورفع دعوى أمام القضاء لحل حزب الإخوان المسلمين، الذي يحمل لافتة «الحرية والعدالة» كعلامة تجارية. أثبتت ممارسات حزب الحرية والعدالة في انتخابات مجلسي الشورى والشعب الأخيرين، أنه حزب ديني عقيدة وممارسة، مما يجعله مخالفا للقوانين الحاكمة للبلاد ومخالفا للمادة الرابعة من الإعلان الدستوري الحاكم لمصر الآن، الذي يجرم الأحزاب الدينية والعسكرية والجهوية. وهذا هو الأساس القانوني الذي تستند إليه الدعوى، فهل ينجح الشباب في حل حزب «الإخوان» بالقانون؟ وهل ستجد هذه الدعوى الزخم الشعبي الداعم لتحويلها من معركة قانونية في المحاكم وعند النائب العام إلى حركة شعبية تجبر المجلس العسكري الحاكم في مصر على التراجع في قراراته التي أضفت على حزب «الإخوان» الشرعية، ومكنته من الإمساك بزمام البرلمان. الإجابة ليست ببسيطة. فكما استهزأ البعض منذ عام بدعوة الشباب على «فيس بوك»، التي أرادت أن تحوّل عيد الشرطة في 25 يناير (كانون الثاني) إلى يوم غضب ضد الشرطة وضد النظام وأشعلت شرارة الثورة، يبدو أن بعض المصريين اليوم يتعاملون مع دعوى المحامين الشباب بالاستهزاء نفسه.أهمل نظام مبارك مطالب الشباب، واعتبرهم «شوية عيال» حتى نجح العيال بوضعه في القفص؟ فهل التعامل اليوم مع مطلب المحامين بالطريقة نفسها قد يوصل حزب «الإخوان» إلى المصير نفسه الذي وصل إليه مبارك؟ طالب شباب المحامين النائب العام المصري بالتحقيق في وقائع محددة، مثل علاقة حزب الحرية العدالة بجماعة الإخوان المسلمين من خلال تصريحات أعضاء الجماعة وممارساتهم على الأرض، التي تقول إن حزب الحرية والعدالة حزب أسسه «الإخوان» أثناء انتخاب مجلسي الشعب والشورى. كما طالب المحامون الشباب النائب العام بالتحقيق في علاقة «الإخوان» بالتنظيمات الأجنبية، بما يخالف المادة 4 من قانون رقم 12 الخاص بتنظيم الأحزاب، وكذلك طالب الشباب النائب العام، حسب بيانهم المنشور، بالتحقيق مع خيرت الشاطر، نائب مرشد الجماعة، وأسباب أسفاره إلى قطر ولقاءاته بقادة حركة حماس هناك. كذلك طالبوا بالتحقيق مع المرشد السابق لـ«الإخوان»، مهدي عاكف، وسبب سفره إلى قطر بتاريخ 26 ديسمبر (كانون الأول) 2011. وكذلك التحقيق مع المرشد الحالي ونائبه فيما يخص تصريحات السيناتور الأميركي، جون كيري، عن دور «الإخوان»، وشكره لهم لتدخلهم المباشر للإفراج عن المتهمين الأجانب في قضية التمويل الأجنبي. هناك الكثير من الاتهامات التي يطرحها شباب المحامين، فهل ستجد هذه الاتهامات آذانا مصغية من النائب العام وتدور المعركة في أروقة القضاء، أم أن القضاء سيهملها لمصلحة «الإخوان»، وبذلك تنتقل المعركة من ميدان المحكمة إلى ميدان التحرير؟ القضية من وجهة نظري ليست في قدرة الشباب على حل حزب قوي يخص أكبر تنظيم متماسك في مصر، وهو تنظيم الإخوان المسلمين، تنظيم له أمواله وأسلحته وقدراته على التهديد والوعيد، مما يجعل الفرد منا يتردد كثيرا في الكتابة عنه، إلا أن شباب الثورة دائما قادر على إنتاج الدهشة، ففي جو ساده الإحباط، وربما القبول التام بسيطرة «الإخوان» وحليفهم من الدرجة الثانية العسكري والسلفي، قرر هؤلاء الشباب أن يأخذوا الأمر إلى ساحة القضاء، فهل هذا مجرد تكتيك لجر «الإخوان» إلى «الغلط» (كما يقولون)، ليخسروا بذلك قاعدتهم في الشارع؟ لم يكن الكثيرون يتصورون أن شبابا صغارا قادرون على الإطاحة بنظام مبارك الضاربة جذوره في كل المجتمع، نظام ورط الجميع في الفساد ومخالفة القانون، مما جعل الكل يسكت عن الفساد لأنه أصبح جزءا منه. تكتيكات الشباب في مصر تبدأ صغيرة ثم تتحول إلى شيء أكبر، فمثلا استطاع الشباب تحوير الشعارات وقلب المعاني فيها، فمن شعار «المجلس العسكري حمى الثورة» تحول الشعار إلى «المجلس العسكري حمى الثورة المضادة»، أي أنه ضد الثورة، ومن شعار «الجيش والشعب إيد واحدة» إلى «الشرطة والجيش إيد واحدة» في رمزية إلى اليد الباطشة، وشعار «الانتهازية هي الحل» في تحوير لشعار «الإخوان».. «الإسلام هو الحل». لا يتجرأ الكثيرون في مصر على انتقاد «الإخوان»، حتى من يدعون الليبرالية من الكتاب، أصبحوا مدجنين بعد أن منحهم «الإخوان» مقعدا في مجلس الشعب، فغدوا يخشون غضب «الإخوان» كما كانوا يخشون غضب مبارك، ولكن هذا الشباب ليس لديه ما يخاف منه فهو مستمر في ثورته، ويبدو أن موجة الثورة الثانية لن تكون ضد المجلس العسكري، بل ضد مكتب الإرشاد. الإجراء القانوني الذي اتخذه الشباب لحل حزب الجماعة المعروف تجاريا بـ«الحرية والعدالة»، هو بداية سلسلة على ما يبدو مدروسة من شباب يعرف طريقه ولا يحتاج إلى نصائح من المسنين، ممن يبحثون عن دور في النظام الجديد بقيادة مثلث «الإخوان» والسلفيين والعسكر، الذي يبتغي إعادة إنتاج نظام مبارك، ولكن بلحية طويلة هذه المرة. من الواضح أن الشباب لن يسمح بذلك، ربما ليست لديهم الأموال المتدفقة من قطر إلى الجماعات الدينية المختلفة، ولكن الديموغرافيا تقول إن العدد الأكبر في مصر هو عدد من هم دون الثلاثين من العمر، ومنهم سوف يتشكل مستقبل مصر، و«الإخوان» بين الشباب ليسوا أغلبية كما يتصور البعض. مواجهة شباب المحامين مع «الإخوان» هي مقدمة لمواجهات مجموعات أخرى، مواجهة فيها كسر لحاجز الخوف الذي أحاط «الإخوان» به أنفسهم على أساس أنهم حماة الدين. لقد نجح الشباب في كسر حاجز الخوف في المجال السياسي عندما كسروا هيبة مبارك، ولا أستبعد أنهم قادرون على كسر هيبة المرشد، ولكن لو نجح الشباب في كسر حاجز الخوف في المجال الديني، كما نجحوا في كسره في المجال السياسي، فإن «السد العالي» قد ينهار وتجتاح مصر مياه سياسية جديدة تفتح عروق الوطن، فما زال «الإخوان» هم «كولسترول» الجسد السياسي المصري، يعيقون حركة التحول ربما بالقدر نفسه الذي كان يعيق فيه نظام مبارك عملية التغيير التاريخية التي تجعل شباب مصر جزءا من شباب العالم. «الإخوان» ليسوا الحل من وجهة نظر الشباب، «الإخوان» هم المشكلة. ومن الواضح أن شعار الشباب الجديد القائل إن «الإسلام هو الحل، بس الإخوان هم المشكلة»، سوف يجد رواجا وزخما في الشارع المصري. فهل سيفاجئنا شباب مصر اليوم، كما فاجأونا يوم 25 يناير العام الماضي؟ ظني أن الشباب المصري قادر. نقلا عن جريدة الشرق الاوسط
abc
مصر: الهروب الكبير للأموال والصفقةمأمون فندي الأحد 18 آذار / مارس 2012 03:07:19 «التغيير على وساخة يجيب تسلخات»، لافتة مكتوبة بخط اليد قرأتها في مصر، ولكنها تمثل حكمة عميقة لتوصيف ما هو حادث في مصر، والتغيير هنا يعني التغيير السياسي مستلهما فكرة تغيير الضمادات على الجروح بالمعنى الطبي، وهذا الذي يأتي بتسلخات في الجلد، ولكنه في حالة مصر الحالية يؤدي إلى تسلخات في جسد الوطن، وينقل مصر من حالة قديمة مستقرة، على الرغم من كونها سيئة، إلى حالة تغيير للأسوأ تقترب من الوقوف على شفا جرف الدول الفاشلة، وما تلك بمبالغة، وإنما إنذار في ضوء الهروب الكبير للأموال وانعدام الثقة في كل شيء، من المحاكمات إلى جدية القائمين على الحكم، إلى حالة العبث الممثلة في برلمان مراهق.مصر في محنة لا شك، والمحنة نحن صنعناها بأيدينا ولم تنزل من السماء، ولا حل لها إلا بوقف هذا النزف غير المسؤول من هروب الأموال للخارج، فهذا الهروب الكبير لم يحدث عبثا، ولكنه نتيجة لجو ضبابي ومتخبط. هروب الأموال مؤشر انعدام ثقة في مؤسسات الدولة، دستورها، وقضائها وحكامها وطرق فض النزاع فيها، مؤشرات انهيار كبير، وبكل أسف حتى هذه اللحظة لم ينتقل المصريون من مراهقة الثورة إلى رشد الدولة، حتى يتمكنوا من بناء شيء يليق بالتضحيات، إذ يبدو أن المصريين انشغلوا إما بطرق شيطانية للقضاء على الثورة، أو بمراهقة غير مسبوقة لا ترى إلا الانتقام والتشفي كوسيلة لهدم القديم وبناء جديد عليه، أو محاولة حماية أنفسهم وأموالهم من مصر ما بعد الثورة وروحها الانتقامية. قبل الحديث عن هروب الأموال الكبير منها والصغير، مهم أن نعرف أن وزير المالية قرر مؤخرا أن يدخل في مفاوضات مع كبار رجال الأعمال ورجال النظام المحكوم عليهم في سجن طرة، أو من هم بصدد قضايا أخرى، من أجل استرداد أموال الدولة مقابل العفو عنهم، أو تخفيف الأحكام على بعضهم (الدخول فيما يعرف في الغرب بالبلي بارجين). والحديث الفاهم في مصر يقول إن وزارة المالية هي الطرف الأضعف في تلك الصفقة، لأن بعض جماعة سجن طرة هددوا بأن المحاكمات ستورط الجميع، «ومن الأفضل أن نتوصل إلى صيغة نعيد بها الأموال ونحميكم في ذات الوقت». ومن هنا تكون صفقة المفاوضات هي إنقاذ الموقف قبل أن يقر من في طرة هدم المعبد على من فيه. وتحت وطأة هذا التهديد دخلت الوزارة المفاوضات، وفي ظل هذا التهديد أيضا بدأت رحلة الهروب المالي. ونحن هنا نتحدث عن نوعين من الهروب، هروب كبير متمثل في الأموال الكبيرة، وهروب عشوائي لملايين الدولارات في حقائب كتلك التي ضبطت في شقة في لندن، أو تلك التي ضبطت في مطار هيثرو، حيث تم القبض على أحد المصريين وهو يحمل حقيبة مليئة بالجنيهات الإسترلينية بلغت قيمتها عشرة ملايين جنيه، هذا النوع من الهروب العشوائي للأموال مهم بالنسبة للاقتصاديين فيما يسمى بـ«موني فلايت»، ولكن لمن يهتمون بالسياسية هروب الأموال الكبيرة مؤشر انعدام ثقة، فعندما تقرر أسرة أعمال كبيرة أن تنقل كل أعمالها التي تصل إلى مليارات الدولارات خارج مصر، فهذا لا يمثل رهانا على المستقبل على الرغم من البرلمان القائم والانتخابات الرئاسية المقبلة. قد يبدو الحديث عن هروب كبير للأموال المصرية وغير المصرية، وأن الناس تبيع كل شيء استعدادا للسفر، مبنيا على أدلة سماعية أو حكايات متناثرة، ولكن فيما يخص هذا المقال أستطيع أن أشير إلى أكثر من دليل قاطع لبيع مؤسسات تجارية كبرى وخروج أصحابها بشكل شبه نهائي من مصر، خروج بالطبع مقنع، أي أن الجسد في مصر والأموال خارجها، ولا داعي لإحراج من نعرف ممن تركوا البلد، فنحن لسنا أكثر وطنية منهم، ولكنهم هكذا قرروا، المهم بالنسبة لي القرار، ولكن لماذا قرر أصحاب الأموال الهرب بجلدهم؟ يشير بعضهم إلى أن أصحاب الحكم أنفسهم لا يستأمنون الوطن على أموالهم، فمعظم ودائعهم المليارية الكبيرة في بنوك خارج مصر، ودائع تصل قيمتها إلى أربعين مليار دولار، فإن كان الحاكم خائفا فماذا عن المحكوم؟ الحاكم لا يستأمن رغم كل ما فعله من أجل تأمين أمواله، وهي قضية أموال في المقام الأول قبل أن تكون قضية سياسية، فكيف نتوقع من المحكومين أن يحتفظوا بأموالهم داخل الوطن؟ أصحاب الودائع الكبيرة لا يريدون إدخال أموالهم للداخل ويفضلون الاقتراض من الخارج على إخراج أموال من مساكنها الآمنة خارج الحدود، ويدعون وطنية زائفة، كشفها البعض وقرر الهروب بجلده قبل أن تقع الكارثة. ترى ماذا يترك هذا الهروب الكبير للأموال للرئيس المقبل أو حتى لـ«الإخوان» أن يديروه، وأموال «الإخوان» ذاتها خارج الوطن أيضا. بعد الانتخابات الرئاسية سيترك هؤلاء للرئيس المقبل خزانة مفلسة تجعل من الرئاسة المقبلة كارثة. فكل مرشح للرئاسة وعد الشعب بما لا يستطيع تنفيذه، فهذا حمدين صباحي الناصري يعد المصريين بناطحات سحاب لإيواء الفقراء، وعبد المنعم أبو الفتوح والعوا يعدون بإصلاح أحوال الوطن في المائة يوم الأولى، وعمرو موسى يريد أن يحول مصر إلى دولة تناطح ليس الجوار وإنما العالم. مهم أن يعي الجوار أننا في وطن رفعت الثورة سقف توقعات الشعب فيه إلى عنان السماء لا عنان الحكم، وفي المقابل يعايش الناس وبشكل يومي إحباطات ويأسا غير منتهيين، تلك الفجوة بين التوقعات العالية وما يراه المواطن على الأرض، حتما ستؤدي إلى صراع دموي في بلد لم يعرف صراع الدم ولم يعتد عليه، ولكنه الإحباط في أسوأ حالاته. الفجوة الكبرى بين التغيير المطلوب والتغيير الذي تنتج عنه تسلخات مؤسسات الوطن كبيرة، وحتما هي وصفة «هوجة عنف» بعد انتخابات الرئاسة إن لم تكن خلالها. الأموال تهرب، وصفقة الحكومة مع طرة، في حالة نجاحها، فضيحة سياسية، وفي حالة فشلها قد تكشف المحاكمات عما يريد البعض أن يخفيه، ولذلك قرر بعضهم الهرب تحسبا «لطرطشات» ما قد يحدث. وقبل هذا وذاك مصر اليوم تعاني من أزمة أفكار راشدة، خصوصا فيما يتعلق بالتعامل مع إدارة فجوة التوقعات بين المتاح والموعود. أصدقاء مصر خارج الحدود يجب ألا يركزوا على دعم مصر ماديا، فمصر تحتاج اليوم إلى أفكار أكثر من احتياجها إلى الأموال، نحتاج إلى رشد وحكمة قبل أن تنهار الدنيا على رؤوسنا. هروب الأموال بهذا الشكل العشوائي ليس مؤشر عقل، بل مؤشر هرولة في غياب العقل، والاتفاق مع أركان النظام كبديل عن محاكمته، أمر تنقصه الحكمة السياسية، لأن تبعات ذلك خطيرة، فساعدونا في تثبيت عقول المصريين في مكانها، فنحن لا نعاني فقر المال اليوم بقدر ما نعاني فقر الفكرة، فمع الأموال التي تهرب من بلدنا، أيضا هربت الأفكار من رؤوسنا. ساعدونا. وتلك استغاثة ملهوف، واستغاثة وطن. نقلا عن جريدة الشرق الاوسط
abc
الثورة لم تحدثمأمون فندي الأحد 11 آذار / مارس 2012 03:14:07 في عام 1991 كتب فيلسوف الفيمنولجي جان بودريار أن حرب الخليج لم تحدث، وقال يومها إن الحدث كان على الشاشات أكثر من كونه حدثا على الأرض، وكان هناك شيء من المبالغة في العرض، فبالفعل كانت هناك حرب لتحرير الكويت، والنتيجة أن الكويت تحررت، وهزم جيش صدام، ومع ذلك كانت ظاهرة الإعلام طاغية في تلك الحرب مما جعلها حربا إعلامية قبل أن تكون حربا على الأرض في بعض لحظاتها. فهل ينطبق مفهوم بودريار عن حرب الخليج على الثورات العربية، ويمكننا القول بأن الثورة لم تحدث؟ ظني أن طغيان الإعلام على موضوع الثورة أكبر بكثير مما حدث في حرب الخليج، لأن الإعلام تطور من ناحية التواصل والتوصيل، رغم أن المحتوى واللغة لم يتغيرا، أي لم تحدث ثورة لا في الإعلام ولا في المفردات المستخدمة، ومن هنا ومن زاوية الإعلام وحدها يمكننا القول إن الثورة لم تحدث.الثورة لم تحدث، بمعنى أنه لم يحدث أي تغيير في البنية الفكرية والثقافية للمجتمعات العربية.. ذات اللغة وذات المفردات. حدثت الثورة في مصر بمعنى «شلناه»، أي غيرنا مبارك، أو غيرنا بن علي، أو علي عبد الله صالح.. لكن هل اتسعت مساحة الحرية بمعناها الواسع؟ بالطبع لا، فالتضييق على المرأة ربما زاد عما كان أيام الديكتاتورية، وكذلك التضييق على الرجل، وانتقلنا من ديكتاتورية الفرد إلى ديكتاتورية المجتمع، وسيطرة التيارات القاهرة للحريات الشخصية. مهم أن نعي أن الديكتاتورية عندنا في بلاد العرب ليست ديكتاتورية فرد، وما كان ديكتاتور يستطيع أن يحكم كل هذه المدة لولا أن ديكتاتورية المجتمع تقف إلى جانبه وتسانده. فالديكتاتورية في بلداننا لم تكن ديكتاتورية فرد كما يظن، أو أنها تعاني من تركيز السلطة في بؤرة الحكم.. الديكتاتورية كانت ديكتاتورية موزعة، شيئا أشبه بالماء الذي تتشربه الإسفنجة المتمثلة في شبكة علاقات عائلية قائمة تتحكم في رقبة المجتمع. تفسير السلطة أو القوة بالشبكة الموزعة في المجتمع هو بداية الفهم، والدعوة لتركز السلطة في يد واحدة هي بداية الضلال والتضليل. الديكتاتورية في مصر كانت نظاما كاملا له دعائمه: الأب في البيت، إلى عمدة القرية، إلى رئيس الحي، إلى المحافظ، إلى رأس الدولة. كان المجتمع متشربا للديكتاتورية، وكانت التيارات برمتها متورطة فيها حتى الرقاب.. الإسلامي والاشتراكي سيان في هذا.. مرشد الجماعة ومبارك ورئيس حزب الشيوعيين، كلهم من القماشة ذاتها. إذن لكي نتحول إلى الديمقراطية مطلوب ناس جديدة.. «ومنين أجيب ناس؟!».. مطلوب لغة جديدة، ونوعية جديدة من العلاقات، وكل هذا لم تولده الثورة. ومن هنا الثورة لم تحدث. ما زال عرب الثورات هم عرب نعرات وعصبيات، لا عرب ترابط بناء على توجهات فكرية، حتى من يتحدثون عن «الإخوان» وعن السلفيين والجماعات الإسلامية، فكلها أحاديث تتناول العلامة الدالة علي الشيء وليس أصله.. فـ«الإخوان» والجماعات إذا فككت مشروعهم إلى عظامه العارية فأنت أمام قبائل وعائلات بعينها ضد قبائل أخرى وعائلات أخرى تتخذ من الإسلام غطاء، وليس لها من الإسلام سوى قشرة تغطي الوجع القبيح لمصالح قبلية لا تقل قبحا. ليس معنى هذا أن الاستبداد والديكتاتورية هما مصيرنا، أو أن الثورة غير قابلة للحدوث في مجتمعات متخلفة أو في مجتمعات ما قبل الحداثة، لكن المبالغة في الاحتفالية بالربيع العربي أمر يحتاج إلى تفكير وتفكيك، فما خرج من الجامع سيعود إلى الجامع، وما خرج من القبيلة قطعا سيذهب إلى القبيلة، ومصر وتونس وليبيا وسوريا واليمن ليست استثناءات في هذا. الثورة لم تحدث، ليس لأن المجلس العسكري في مصر يتحكم، أو أن عواجيز الناصرية والساداتية والمباركية هم من يترشحون للرئاسة في مصر اليوم، فهؤلاء مجرد عرض لمرض أكبر، وهو عدم قدرة العقل العربي على الانتقال من حالة العادة والعبادة إلى حالة التغيير والثورة. لست مستشرقا، أي أتبنى مقولات العقل العربي على علاتها، لكنني أعني الثقافة السائدة في العالم العربي، وهي ثقافة أقرب إلى ثقافات عصور الانحطاط ولكن بمكبرات الصوت وأضواء الشاشات، أي على عينك يا تاجر.. فجور في الجهل أظن أن تاريخنا العربي لم يتعرف عليه من قبل. وهنا يمكن أن نقول إن الثورة قد حدثت، لكنها حدثت في المبالغة في الفجور والتحول. فذات الممثلين يقومون بأداء المسرحية ولكن بنص أكثر رداءة، وربما تولى بعض الكومبارس القيام بدور البطولة. الثورة لم تحدث لأن الثورة تحدث في العقل أولا، وحتى هذه اللحظة في تونس أو مصر أو سوريا أو ليبيا أو اليمن لم تحدث أي ثورة في العقل، لا ثورة في المفردات ولا في اللغة أو حتى في طريقة التناول. أتيحت لي فرصة الاقتراب من المشهد الإعلامي مثلا في معظم دول الثورات، وما لاحظته كان نوعا من التحور في مفردات أشبه بتحور الفيروسات ضد المضادات الحيوية من أجل الاستمرار في نهش جسد الثقافة وجسد الوطن.. لا أمصال هناك ضد اللغة. الثورة لم تحدث لأنها كانت ثورة بأدوات حديثة في مجتمعات ما قبل الحداثة. حدثت الثورات في أوروبا لأنها كانت مواكبة بالفكر، فمثلا عندما ظهرت نظرية النسبية ومن بعدها «الكوانتم» في الفيزياء، تعرف الغرب على نوعية جديدة من علاقة الإنسان بالحقيقة.. الحقيقة النسبية في حالة أينشتاين، والحقيقة غير المعروفة في حالة «الكوانتم». في مصر ظهر عالم مثل أحمد زويل يتحدث عن الزمن، في نقلة نوعية في الحديث عن زمن الحداثة في أدب مارسيل بروست في فرنسا، وويليام فوكنر في أميركا.. الزمن المتقطع لا الزمن المستمر. لكن الرجل المصري الذي يتحدث عن زمن غير الزمن ما لبث أن عاد إلى الزمان التقليدي. الحداثة الأوروبية حدثت في الفلسفة والفن والعلوم، ولذا عندما قامت الثورة كانت مدعومة بمنظومة فكرية تسندها، أما عندنا فالثورة كانت مدعومة بديكتاتورية أخرى، ولهذا لم تحدث. الحديث كثير عندنا بأن مشكلة الثورة في مصر أو حتى في تونس، وغيرهما، هي أنها ثورات من دون قيادة تدعمها، وهذا غير صحيح.. هي ثورات من دون دعم فكري أو علمي يسندها.. ثورات إزاحة أفراد لا إزاحة وتغيير أفكار. ومن هنا الثورة لم تحدث. تحدث الثورة عندما تتغير المنظومة القيمية الحاكمة للمجتمع، ولا تحدث لا بالشباب ولا بالشيوخ. الثورة هي تغيير نص المسرحية التي نؤديها على خشبة الحياة كل يوم، لكننا بعد الثورة نؤدي النص الديكتاتوري ذاته بممثلين جدد. ومن هنا الثورة لم تحدث. الثورة لم تحدث بمعنى أن التغيير في العلاقات الحاكمة والتغيير في القيم لم يحدث، ما حدث هو إحلال البلطجية القدامى ببلطجية جدد يظنون أنهم يتحدثون لغة ثورية، رغم أن شعر المتنبي أكثر حداثة مما يكتبون اليوم، وأفكار المعتزلة أكثر حداثة مما هم فيه الآن، وأفكار ابن رشد أكثر حداثة وثورية. ولكل هذه الثورة لم تحدث، وربما قد لا تحدث قريبا أو في حياتنا. نقلا عن جريدة الشرق الاوسط
abc
جماعة لن نركعمأمون فندي الثلاثاء 06 آذار / مارس 2012 03:52:44 مؤشرات السياسة الخارجية المصرية بعد الثورة مخيفة. كنت في القاهرة يوم 10 فبراير (شباط) 2012، عندما أعلن مانشيت «الأهرام» أن «مصر لن تركع أبدا» في ردة فعل وطنية محمومة سادت صحف القاهرة في قضية التمويل الأجنبي والتي كانت مصر قد منعت بسببها مواطنين أميركيين من السفر بسبب نشاطهم في الترويج للديمقراطية في مصر «بدون تصريح» كما ادعت الحكومة المصرية ممثلة برئيس وزرائها كمال الجنزوري ووزيرة التعاون الدولي ومفجرة قضية التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني فايزه أبو النجا. وكانت في أجواء القاهرة رائحة تذكر بما قاله عمرو موسى بعد زيارته لإسرائيل عام 1995 كوزير للخارجية عندما رفض «بعنترية» توقيع مصر على تجديد معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية إلا إذا وقعت إسرائيل.كنت على موعد مع الصديق سليمان جودة لتسجيل حوار معه في برنامجه التلفزيوني «خط أحمر» حول العلاقات المصرية الأميركية في ضوء قضية التمويل الأجنبي وفي ضوء زيارة رئيس الأركان الأميركي لمصر في جو مشحون بعد عدم سماح السلطات المصرية للأميركيين بالسفر قبل أن يلقوا جزاءهم العادل في المحكمة. قلت لسليمان يومها إن مصر ستتراجع في موقفها في هذه القضية كما تراجعت من قبل في موضوع التوقيع على معاهدة عدم الانتشار، وموقف عمرو موسى الذي كافأه عليه شعبان عبد الرحيم «بحب عمرو موسى وبكره إسرائيل» كجائزة لموقفه. ولكن ذلك الموقف «العنتري» كلف مصر الكثير من مصداقيتها في الخارج، وأيامها لم تكن التكلفة في الداخل مهمة، حيث كان إعلام النظام الديكتاتوري قادرا على تسويق أي شيء. فحتى هزيمة فاروق حسني في المنافسة على رئاسة اليونيسكو استطاع النظام أن يروج لها على أن الرجل ضحية مؤامرة إسرائيلية وليس لأن اليونيسكو لن تقبل رجلا كان وزيرا لأكثر من عشرين عاما في واحدة من أهم الدول في رابطة الديكتاتوريين في العالم. قلت للصديق جودة إن «جماعة لن نركع» ستتراجع هذه المرة كما تراجع موسى من قبل، وذكرت له أنني شممت رائحة تراجع عمرو موسى ليس يوم تجديد معاهدة عدم الانتشار بعدها بشهور، بل قبل أن يترك إسرائيل في تلك الزيارة، فيومها رفض موسى أن يتضمن برنامج زيارته زيارة متحف الهولوكوست، ولكن بعد أن ضجت الصحافة الإسرائيلية بهذا الموضوع تراجع صاحبنا وزار المكان، وكانت تلك الحركة بالنسبة لي المفتاح للموقف المصري. رائحة الأمر كرائحة موضوع موسى، ولكن هذه المرة سيكون الثمن فقدان المصداقية في الخارج وظهور الحكومة على أنها حكومة «كذابين» في الداخل وهذا سيعقد الأمر كثيرا، تآكل في الشرعية والمصداقية في الداخل والخارج معا. المهم في هذا الجدال هو أن نفهم مستقبل مصر في ضوء استمرار البحث عن عدو خارجي كمرض عضال أصاب الجسد السياسي المصري وتشعب فيه كما السرطان منذ أكثر من ستين عاما، وكأن المصري لا يمكن أن يعيش إلا بوجود هذا العدو الخارجي، وهذا العدو الخارجي هو الذي يجعل المصريين راغبين طواعية في تسليم أمرهم ودفة البلاد وقيادتها إلى «جماعة لن نركع» التي ركعت كثيرا وانتكست أكثر، وأخذت مصر من حرب في اليمن إلى هزيمة نكراء في 67 وأفقرت الإنسان المصري وجهلته للدرجة التي أصبح فيها مستوى دخل الفرد في مصر ومن يقفون تحت خط الفقر من الدول الأسوأ في العالم، وكل ذلك بفضل جماعة «لن نركع». كنا نتصور أن مصر بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) ستتغير وتتبنى الشفافية والوضوح في القضايا الداخلية والخارجية، وتتبنى مواقف عقلانية راشدة تأخذ في الاعتبار مستقبل مصر كوطن وما ينفع المواطن كأساس للسياستين الخارجية والداخلية، ولكن الجميع ربما صدم بظهور جماعة «لن نركع» مرة أخرى وتسيدها للمشهد السياسي المصري بعد الثورة، فأي ثورة تلك التي لم تقلب فيها التربة ولم يتغير بعدها مانشيت صحيفة أو كلمة في برنامج تلفزيوني عما كان عليه أيام نظام مبارك من قبل. قضية التمويل الأجنبي في مصر معقدة، فالأميركان الذين يعملون في مصر في هذا الإطار هم يعملون إما في المعهد الديمقراطي المرتبط بالحزب الديمقراطي أو في المعهد الجمهوري التابع للحزب الجمهوري. وهذان الحزبان، كما يعلم الجميع، هما الحزبان الرئيسيان اللذان يتشكل منهما أعضاء الكونغرس والرئيس، ومصر بموقفها هذا لا تستعدي جناحا في أميركا وإنما تستعدي الرئيس والكونغرس والمجتمع الأميركي برمته في جو رئاسي انتخابي محموم، حيث كان من الممكن جدا «شيطنة» مصر لو تعقدت قضية سجن الأميركيين في القاهرة واستخدامها في هذا السباق الانتخابي المسعور. ومن حق مصر أن تستعدي من تشاء ولكن الأهم أن تكون هي مدركة ومستعدة لدفع ثمن تلك العداوة. طبعا لم تناقش رئاسة الوزراء في مصر ولا الوزيرة فايزة أبو النجا قضية التمويل العربي للإخوان المسلمين في مصر أو للجماعات السلفية، فقط اختارت جماعة «لن نركع» الأميركان لأن أي موقف ضد أميركا مضمونة نتائجه في الداخل. أي إن الشعب سيلتف حول القيادة كما كان الحال في السابق. ولكن على ما يبدو أن الثورة غيرت مزاج الشعب ولم تجد فايزة أبو النجا التأييد الكافي، ولكنها سوف تدفع ثمنا سياسيا لمغادرة الأميركيين المدعى عليهم بخرق القانون المصري في طائرة أميركية خارج مصر، وكذلك سوف تدفع ثمنا لضغط الحكومة على السلطة القضائية التي أدت إلى تنحي القضاة عن النظر في القضية تحت ضغط سياسي. تراجع عمرو موسى في السابق في قضية عدم انتشار الأسلحة النووية، واليوم تتراجع حكومة الجنزوري في قضية التمويل الأجنبي. والتراجع ليس لأن هناك صفقة قيمتها خمسون مليار جنيه مصري حصلت عليها مصر نتيجة للإفراج عن الأميركيين وتركهم يغادرون البلاد كما عنونت «الأهرام» قبل الأمس نقلا عن مصدر مسؤول. بالطبع ليس هناك عاقل يصدق أن صفقة بخمسين مليار جنيه يعقدها الأميركان مع المجلس العسكري ولا يعلم بها الكونغرس، ومن أين تأتي الحكومة الأميركية بهذه الأموال من دون موافقة الكونغرس. طبعا الصحافة عندنا لا يمكنها أن تتخيل ما لا تعرفه، فكما تحدث الصفقات في الظلام في مصر لا بد أنها كذلك في كل الدنيا. نقطتان أساسيتان هنا في هذا الخبر الصحافي لا بد من التوقف عندهما، الأولى هي أن المصدر لا يمكن أن يسمى مسؤولا إذا كان يكذب بهذه البجاحة، والنقطة الثانية هي الصحافي الذي تعود أن يتلقى المعلومات وينشرها كما هي من دون تحقيق، وهذه مأساة أخرى في صحافة مصر بعد الثورة. استمرار سيطرة جماعة «لن نركع» على المشهد السياسي المصري مستغلة وجود ثقافة سياسية مصرية لا تستطيع أن تعيش من دون عدو خارجي، هو مؤشر خطير على اتجاه مصر في سياستها الخارجية بعد الثورة. ففي السباق على احتكار الوطنية المصرية بين الجماعات المختلفة سوف تكون السياسة الخارجية المصرية عاطفية وبردات فعل تهدف إلى تجييش جبهة داخلية لمصلحة فريق دون غيره في مصر. وبالتالي سوف تكون هذه السياسة وتخبطها ليست مصدر قلق للمصريين وحدهم فحسب، بل سبب قلق للإقليم بأكمله، وقد تجر مصر إلى مشاكل غير محسوبة. في تاريخ مصر القريب، قرر جمال عبد الناصر طرد وحدات المراقبة الدولية في العريش «كتهويش» لإسرائيل بأنه مقدم على حرب قبل أن يجهز نفسه أو تعود قواته من اليمن، فقررت إسرائيل أن تستغل هذا «التهويش» لتكسب شرعية دولية لحرب كانت تخطط ومستعدة لها، أخطأ عبد الناصر التقدير وهزمت مصر في عام 1967 هزيمة لم تتعاف منها حتى الآن وليس من العدل طبعا تحميل كل مآسي مصر على كتفي عبد الناصر، فاليابان ضربت بالقنابل النووية وحرقت مدنها ومع ذلك قامت من رمادها دولة متقدمة تنافس الأمم. ولكن النقطة التي أردت التركيز عليها هنا، استخدام السياسة الخارجية و«بتهويش بلدي» للحصول على مزيد من الشرعية في الداخل من دون حساب ما يعرف في أسس العلوم السياسية بــ «التبعات غير المحسوبة للأفعال السياسية». مصر الآن دخلت هذا النوع من السلوك السياسي، سياسة خارجية قائمة على تسرع عاطفي من أجل شعبية رخيصة، ستكلف مصر وتكلف الجوار، فعلى المقيمين خارجها ربط الأحزمة ومراعاة فروق التوقيت. نقلاً عن جريدة "الشرق الأوسط"
abc
الكويت: لا علاقة بالربيع ولا بالإخوانمأمون فندي الاثنين 06 شباط / فبراير 2012 03:31:53 ما علاقة انتخابات الكويت بالربيع العربي؟ وما علاقة نتيجة الانتخابات بالسيطرة الكبيرة للإخوان المسلمين على المشهد السياسي العربي من شمال أفريقيا حتى اليمن؟ هكذا كان سؤال كل قناة ووكالة أنباء غربية بعد ظهور نتائج الانتخابات في الكويت، وغالبا ما يسأل المذيع أو المراسل الصحافي بإنجليزية توحي بالثقة أحيانا، أو بالغباء المطلق أحيانا أخرى. قلت لواحدة منهن: لا علاقة للكويت بالربيع العربي ولا بسيطرة الإخوان المسلمين على المشهد، ولا علاقة بين إسلام الزيت وإسلام البيت، إلا بالدعم المالي أحيانا، ودعيني أفسر.بداية في موضوع علاقة نتيجة انتخابات الكويت بسيطرة الإخوان على المشهد في تونس وليبيا ومصر، فالإجابة القصيرة هي أنه لا توجد علاقة هناك؛ فلو كانت انتخابات تونس ومصر هي أول انتخابات حرة منذ ستين عاما في البلدين مثلا، ففي الكويت هناك انتخابات حرة منذ عام 1961 حتى الانتخابات الحالية. إذن، موضوع الانتخابات الحرة الذي ميز تونس ومصر ليس جديدا في الحالة الكويتية. أما موضوع الإخوان المسلمين بشكلهم التنظيمي فقد فازوا في هذه الانتخابات بأربعة مقاعد وقد يحسبهم البعض خمسة مقاعد لو أضيف إليهم صلاح الصواغ المتعاطف مع الإخوان الذي يصوت معهم على الرغم من أنه، تنظيميا، لا ينتمي إليهم، ولم تكن تلك أعلى نسبة حصل عليها الإخوان المسلمون في الانتخابات الكويتية، خلال، مثلا، الانتخابات الأربعة الأخيرة، وسأفصل في ما بعد. وقد حصل السلفيون على خمسة مقاعد والبقية يميلون للإسلام السياسي، بما في ذلك مقاعد الشيعة السبعة التي تناقصت مقعدين عن الانتخابات السابقة. وعودة إلى الإخوان المسلمين، يمكننا القول إن الإخوان يتقدمون ويتأخرون في الانتخابات الكويتية حسب ظروف تغيرات المجتمع؛ فمثلا في الانتخابات السابقة عام 2009 كان لتنظيم الإخوان نائب واحد هو جمعان الحربش، أما الانتخابات التي سبقتها في 2008 فقد حصلوا على مقعدين (الشايجي والحربش)، أما الانتخابات التي سبقتها في 2006 فقد حصل الإخوان على ستة مقاعد، ممثلة في كل من: ناصر الصانع وجمال الكندري ودعيج الشمري وخضير العنزي ومحمد البصيري وجمعان الحربش. وهي أعلى عدد من المقاعد حصل عليه الإخوان في الكويت في الانتخابات الثلاثة؛ فقد فاز الإخوان في 2006 بأكبر عدد من المقاعد ولم يكن هناك ربيع ولا خريف، إلا إذا قرر البعض، بأثر رجعي، أن الربيع الإخواني بدأ في 2006 بقيادة ناصر الصانع، وبالطبع هذا غير صحيح. أما حكاية الربيع، فمن حيث الطقس لا ربيع في الصحراء، لكن مظالم الربيع في الديكتاتوريات الجمهورية في دولة ما بعد الاستعمار، في مصر وليبيا واليمن وتونس، مظالم غير موجودة في الكويت ولا في دول الخليج عامة، فلا مساجين سياسيين بالآلاف كما كان الحال في أنظمة مبارك وبن علي والقذافي، ولا موت في السجون ولا تعذيب إلا ما ندر، مما لا يمثل سلوكا ضاغطا على المجتمع، أما موضوع الفقر المدقع وسكان المقابر وتمركز السلطة في يد زوجة الزعيم وأقاربها.. ذلك كله غير موجود في الكويت أو حتى في الخليج. لكن هناك، في الخليج عموما والكويت تحديدا، ظواهر أهم كشفت عنها الانتخابات الأخيرة، أولاها: تغير طبيعة السلوك السياسي للقبيلة.. فمثلا في الحالة الكويتية حصلت قبيلة المطران على خمسة مقاعد ليس من بينها مقعد واحد حصل عليه من رشحتهم القبيلة في انتخاباتها الفرعية التي تشبه انتخابات الـprimaries في الولايات المتحدة الأميركية. الذين فازوا من «المطران» هم من لم يدخلوا الانتخابات الفرعية للقبيلة، وأولهم مسلم البراك، الذي حصل على أعلى الأصوات في تاريخ الانتخابات الكويتية بصيغتها الجديدة؛ حيث حصل على ما يزيد على 30 ألف صوت. النقطة هنا هي أن القبيلة تتغير، وكذلك سلطتها، على الرغم ممَّا يقال عن صراع القبيلة والحضر في الانتخابات الحالية، التي برزت ملامحها في حرق خيمة أحد مرشحي الحضر الذي أهان القبيلة في أحاديثه. ومع ذلك فحوار الحضر والبدو في الكويت يخفي تحته رؤيتين للاقتصاد الكويتي؛ حيث كان جل حديث البدو في الكويت يتركز على أن الحضر حلبوا الدولة في السابق والآن قد حان دور البدو كي يحصلوا على حصتهم من عطايا الدولة، أي أن رؤية البدو هي استمرار دولة العطايا التي تنفق على مواطنيها من المهد إلى اللحد، مقابل رؤية التجار الذين يريدون دولة الاقتصاد الحر، وربما تناقضُ الرؤيتين هو القشة التي قد تقصم ظهر البعير الكويتي في الأيام المقبلة. مهم أيضا، في التعليق على انتخابات الكويت، ذكرُ اختفاء المرأة من هذا البرلمان، لكن اختفاء المرأة لم يكن من منطلق آيديولوجية البطركية البدوية، كما يحلو للبعض تسميتها، لكن كل امرأة فشلت في الانتخابات كانت لها أسبابها على حدة، ولم أتحدث إلى ناخبة واحدة في الكويت إلا وقالت إن النساء قد خيبن ظنهن في البرلمان وإنهن يرِدن على الأقل تجديد الوجوه القديمة. أما الربيع العربي فيمكن القول إن الربيع، بشقه الطائفي الذي حدث في البحرين، ألقى بظلاله على الحالة الكويتية؛ حيث خسر السنة في مناطق الشيعة، خصوصا النساء؛ لأنهن لم يصوتن مع الشيعة في إدانة ما حدث في البحرين، فعاقبهن الشيعة بحجب أصواتهم عنهن، وغير هذه النقطة التي تحتاج إلى حديث طويل لم تكن هناك علاقة بين الربيع العربي وما حدث في الكويت، ولا علاقة لما حدث بالهلال ولا القمر لا الشيعي ولا الإخواني. نقلاُ عن جريدة "الشرق الأوسط"
abc
انسحاب البرادعي مثل تنحي مبارك!مأمون فندي الثلاثاء 17 كانون الثاني / يناير 2012 04:08:30 انسحاب الدكتور محمد البرادعي من سباق الرئاسة المصرية، مع الفارق، أشبه بتنحي مبارك عن الحكم في مفاجأته وغموضه، وأدعي أننا لن نعرف الكثير مما يدور في مصر لأن في الأمر غموضا غير مريح. الدكتور البرادعي سجل فيديو يشرح فيه أسباب الخروج من المشهد فيه كلام مبهم عن ربان السفينة الذي أخذها بعيدا وأدار المرحلة بعشوائية دونما تسمية لهذا الربان، وفي هذا الإبهام للفاعل الأساسي الذي جعل البرادعي ينسحب بداية تفسير. ولكن كيف يكون انسحاب البرادعي شبيها بتنحي مبارك؟ وكيف الجمع بين النقيضين.. بين داعية تغيير وديكتاتور؟ وكيف لي أن أضع الاسمين في نفس واحد؟ النقطة تحتاج إلى شيء من الهدوء والتروي من أجل الفهم لا من أجل تسجيل النقاط.مهم أن نعرف أنه وبعد مرور عام على الثورة المصرية وحتى هذه اللحظة لا نعرف الكثير عن كيفية تنحي مبارك عن الحكم. صدق بعضنا بسذاجة منقطعة النظير أن الرئيس المصري السابق حسني مبارك تخلى عن الحكم هكذا، دونما ضمانات من أطراف دولية كانت ولا تزال لاعبا رئيسيا في المشهد السياسي المصري، ودونما ضمانات من القوى المحلية الفاعلة من حملة البندقية الذين وضعهم مكانه في الحكم ولا شرعية لهم سوى أنه نقل السلطة إليهم، ومن القوى الدينية المناوئة له ذات الزخم الاجتماعي. يتحدث المصريون والعالم وكأن مبارك طفل يتيم هزيل قالوا له «امش» فمشى، أو ترك المشهد هكذا وجلس في بيته مع زوجته وأولاده مكتوفي الأيدي في انتظار نقلهم إلى سجن طرة في حالة ولديه جمال وعلاء، أو نقله إلى شرم الشيخ في حالته هو، وجميعهم في انتظار المحاكمة. الدنيا في تصوري لا تسير هكذا.. فأمور معقدة مثل تنحي رئيس دولة كان يملك كل شيء في مصر، وديكتاتور بامتياز، ثم يتخلى عن سلطاته هكذا، لا تحدث بسهولة. والغموض الشديد ما زال يكتنف المشهد حول ماهية ما حدث، وماهية الصفقة بين مبارك والمجلس العسكري من ناحية، ونوعية الصفقة بين مبارك ممثلا في شخص عمر سليمان وبين «الإخوان»، الفصيل المعارض للرئيس، والذي يعرف نظام مبارك أنه لو تركت الأمور على حالها سيصل هؤلاء إلى الحكم، كل هذا كان معروفا في مفاوضات عمر سليمان مع «الإخوان» قبل تنحي مبارك، ولكن تفاصيل هذه المفاوضات ما زالت سرية حتى الآن، وغائبة عن الشعب المصري، وهي التي تلهم التحركات السياسية كلها، بما فيها الانتخابات أولا ثم الرئاسة بدون دستور، إلى آخر هذا العبث الحادث في بر مصر. ولكن ما علاقة كل هذا بانسحاب الدكتور محمد البرادعي من مشهد الرئاسة؟ كما أسلفت ورغم مرور عام على الثورة، ورغم سلميتها، أي استمرارها دونما عنف كبير على غرار تفخيخ السيارات في العراق، ورغم الاتهامات لم تفجر سيارة واحدة في مصر، رغم كل هذه السلمية، فإن الشفافية تنقص الجميع في المشهد المصري بما فيها عملية انسحاب البرادعي من المشهد الرئاسي. مشهد شديد الغموض في ما يخص التحركات الرئيسية للاعبين الأساسيين. لا نعرف عنه سوى القشور مثل الانتخابات وبعض المظاهر الشكلية لعلاقات القوة، أما أدوات القوة الخشنة الأساسية من أموال العسكر حتى أموال نظام مبارك وعلاقتها بالبندقية، فهي أمر غير مطروح حتى للنقاش. كان واضحا في لغة البرادعي في الفيديو المسجل أن الرجل تعرض لضغوط لا قبل له بها، ولم يجد لديه من الأدوات للتعامل مع هذه الضغوط سوى التخلي عن الهدف واللجوء إلى الحماية الشعبية بالخروج في العلن لإعلان الانسحاب من باب تأمين النفس، وهذا أمر وارد وتكتيك يصل إليه الجميع في عدم وجود حماية ضامنة للشخص وسلامته. وانسحاب البرادعي ليس الأول في القصة، فكان هناك انسحاب مهم قبله لم يحظ بأي نوع من الاهتمام، وهو انسحاب الفريق مجدي حتاتة رئيس الأركان السابق للجيش. ومجدي حتاتة من باب التذكير كان هو خيار واشنطن كرئيس لمصر في فترة التسعينات، يومها كنت في واشنطن وكان الفريق يزور المدينة، وكان واضحا على من يراهن الأميركيون كخليفة لمبارك، ولما اشتم مبارك الرائحة أقال الرجل من موقعه ووضعه رئيسا للهيئة العربية للتصنيع، كما أقال أبو غزالة من قبل وجعله، لفترة، مساعدا للرئيس ثم شوهه بما فيه الكفاية لدى المجتمع في قضية لوسي أرتين، وشوهه لدى محبيه من رجالات الجيش. وانتهت أسطورة حتاتة وبعدها انتهت أسطورة أبو غزالة. الشيء نفسه حدث مع البرادعي عند أول إعلان له بأنه سيعود إلى مصر لقيادة التغيير، تم تشويه الرجل وأسرته وكل من يقترب منه، ولكن الرجل استمر بعد الثورة ظنا منه أن النظام الذي جعل منه هدفا للتشويه قد سقط، ولما اكتشف في ما بعد أن النظام قد عاد وبشراسة أكبر في السجن حيث التنكيل وتشويه السمعة آثر الانسحاب، وربما تكون الخطوة التالية ليست كما قال البرادعي الانضمام إلى صفوف المعارضة، بل هي خروج كامل من مصر مرة أخرى، لأن سلامة الرجل وأمنه على المحك، حيث خلق النظام جوا يكتنفه الغموض، لو حدث فيه شيء للبرادعي فستقيد القضية ضد مجهول كما سجلت قضايا سابقة من قبل. ما زال الصندوق الأسود للنظام القديم في مصر مغلقا، وما انسحاب البرادعي من المشهد إلا مؤشر على مزيد من الضبابية والغموض، وفي أجواء الغموض هذه يبقى من الواجب على الدكتور البرادعي في لحظة ما وحال ضمانه إلى الآن، أن يقول لنا ما حدث، وظني أن الرجل شجاع بما فيه الكفاية ليقول ذلك يوما ما، أما قصة تنحي مبارك فستبقى لغزا، رغم ما يدعيه الجميع من أن الديمقراطية والشفافية على الأبواب في مصر بعد انعقاد أول جلسة لبرلمان الثورة. نقلاً عن جريدة الشرق الأوسط ... تتمة<< البداية < السابق 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 التالي > النهاية >> |






