القاهرة ـ يو.بي.آي
لم يفاجئ قرار الحكومة المصرية تخفيض التمثيل الدبلوماسي مع تركيا إلى مستوى قائم بالأعمال، المراقبين لمسيرة العلاقات بين الدولتين خلال الأشهر القليلة الماضية، وقلل هؤلاء من تأثير القرار على العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين الجانبين، وإن كان توقيت إعلانه وطريقته محل تحليلات وقراءات تراوحت بين وصفه بأنه رد فعل متوقَّع ،والقول أنه يعكس ما يسمى "الدبلوماسية الخشنة".
وقال الدكتور طارق فهمي أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة ليونايتد برس انترناشونال، إن القرار "جاء بعد أن ازداد الموقف المصري رسوخاً بدعم سياسي واقتصادي من جانب دول الخليج العربي خاصة السعودية، وبعد مراجعة الإدارة الأميركية لمواقفها تجاه مصر وهو ما تبدَّى في تصريح وزير الخارجية جون كيري أن جماعة الإخوان المسلمين سرقت الثورة من الشباب الذين قاموا بها، علاوة على تغير السياسات العدائية تجاه مصر من جانب الاتحاد الأوروبي".
ورأى فهمي أن القرار المصري "يأتي في سياق تقديم مصر لنفسها بصورة جديدة كقوة إقليمية كبرى تحدِّد اتجاهاتها وتملك خياراتها،و تجلى بالتوجه إلى عقد اتفاقات عسكرية مع روسيا الاتحادية".
وأضاف أن القرار المصري "على الرغم من قوته إلا أنه إجراء متعارف عليه وفقاً لاتفاقية فيينا ويُعبِّر عن أزمة في العلاقات الدبلوماسية بين الدول".
بدورها قالت الدكتورة يُمن الحماقي أستاذة الاقتصاد في جامعة عين شمس، في اتصال مع يونايتد برس انترناشونال، أن "القرار لا يمكن وصفه بالإجراء الدبلوماسي القاسي أو الخشن من دون النظر إلى أسباب صدوره"، معتبرة أنه "كان رد فعل طبيعي ويوازي حجم الفعل الصادر عن الحكومة التركية تجاه مصر ومواصلة التدخل في الشؤون المصرية الداخلية بشكل سلبي".
وأضافت الحماقي أن القرار المصري "لم يكن موجهاً إلى تركياً فقط بل مثَّل كذلك رسالة للداخل المصري مفادها أن الحكومة التي تتصدى لمظاهرات المنتمين لجماعة الإخوان المسلمين المحظورة وما يتخللها من محاولات لتعطيل الدراسة وتعطيل لحركة المرور والاعتداء على المنشآت العامة والخاصة، قادرة كذلك على اتخاذ موقف قوي من أي حكومة تدعم هذه الجماعة".
وكان الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية بدر عبد العاطي أعلن، السبت الماضي، أن الحكومة المصرية قرَّرت تخفيض مستوى علاقاتها الدبلوماسية مع أنقرة من مستوى السفير إلى مستوى قائم بالأعمال، واستدعاء السفير التركي لدى القاهرة وإبلاغه بأنه بات شخصاً غير مرغوب فيه ومطالبته بمغادرة البلاد بالإضافة إلى نقل السفير المصري لدى أنقرة، الموجود بالفعل في مصر، بشكل نهائي إلى ديوان وزارة الخارجية بالقاهرة.
وشكَّل القرار المصري ذروة تردي الأوضاع بين الحكومتين منذ عزل الرئيس السابق محمد مرسي أوائل تموز/يوليو الفائت، حيث اتخذت الحكومة التركية موقفاً مناهضا "لثورة 30 يونيو/حزيران 2013"التي أطاحت بنظام مرسي، إذ وصف حسين جيليك نائب رئيس حزب "العدالة والتنمية" الحاكم عزل مرسي بـ "الانقلاب القذر" وتوالت تصريحات القادة الأتراك المناهضة للثورة المصرية، وردت الخارجية المصرية باستدعاء السفير التركي حسين عوني بوصطمالي لإبلاغه احتجاجها على تلك التصريحات.
واستمرت تصريحات القادة الأتراك على ذات النهج وأبرزها هجوم شنَّه رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، في آب/أغسطس الفائت، على شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، متهماً إياه ب"الداعم للانقلاب وأن ذلك تسبب في نهايته كعالم كما انتهى علماء أتراك ساندوا انقلابات شهدتها تركيا في السابق"، ما دفع الخارجية المصرية لاستدعاء السفير التركي للمرة الثانية قبل أن تسحب كلا الحكومتين سفيرها للتشاور، وبينما عاد السفير التركي للقاهرة الشهر الفائت إلا أن السفير المصري بأنقرة عبد الرحمن صلاح لم يعد.
غير أن التصريحات التركية وآخرها تصريح أردوغان بأن "إشارة رابعة التي يرفعها أنصار الرئيس المعزول محمد مرسي ليست رمزاً للقضية العادلة للشعب المصري فقط بل أصبحت علامة تندِّد بالظلم والاضطهاد في كافة أنحاء العالم"، لم يكن لها التأثير الأقوى على القاهرة بقدر ما كان إقدام الحكومة التركية على استضافة مؤتمر في اسطنبول شارك فيه أعضاء بارزون في التنظيم الدولي للإخوان المسلمين تحت شعار "تحالف الحقوقيين الدوليين" لمقاضاة مصر والنظام الحالي في الجنائية الدولية، هو ما حدا بالقاهرة إلى اتخاذ قرار تخفيض حجم التمثيل الدبلوماسي مع أنقرة، قبل أن ترد الأخيرة بقرار مماثل.
على أن قرار خفض درجة التمثيل الدبلوماسي أثار مخاوف مراقبين من أن تؤدي تداعياته إلى تأثير سلبي على الجانبين التجاري والاستثماري بين مصر وتركيا، إذ دعا السفير عزت سعد مساعد وزير الخارجية الأسبق، إلى "تذكّر أن هناك مصالح اقتصادية بين البلدين"، مشيراً إلى أن مصر قد تخسر استثمارياً، في حال تصاعدت الأمور حتى وإن كانت الخسائر التركية ستكون أكبر.
كما ألمح رئيس مجلس الأعمال المصري - التركي عادل لمعي، في تصريحات أدلى بها مساء السبت الفائت، إلى إمكانية حدوث انعكاسات سلبية للقرار على العلاقات الاستثمارية بين البلدين خاصة الأيدي العاملة، موضحاً أن حجم الاستثمارات التركية في مصر تبلغ 1.5 مليار دولار ممثلة في 300 مصنع وشركة يعمل بها نحو 52 ألف عامل.
وعلى الرغم من أن تلك المخاوف لها ما يبررها؛ فإن المعطيات الراهنة تشير الى أن هناك حرصاً مصرياً وتركياً على ألا تصل حالة التوتر بينهما إلى نقطة اللاعودة وألا يؤثر ذلك التوتر على العلاقات الاستثمارية وبشكل أكبر على حجم التبادل التجاري الذي وصل العام 2012، وفقاً لإحصائيات وزارة الصناعة والتجارة الخارجية والغرفة التجارية بالقاهرة، إلى 5.1 مليار دولار بينها نحو أربعة مليارات واردات تركية إلى مصر مقابل صادرات مصرية إلى تركيا بحوالي مليار دولار.
ويرى مراقبون أن الجانب التركي أبدى قدراً كبيراً من الحرص على استمرار العلاقات، حيث أعرب الرئيس التركي عبد الله غول بعد ساعات قليلة من القرار المصري عن أمله في أن تعود علاقات بلاده مع مصر إلى وضعها الطبيعي، واصفاً المرحلة الراهنة في العلاقات بين القاهرة وأنقرة بـ "الاستثنائية".
كما اعتبر وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو، أن عملية تبادل طرد السفيرين "حادث عارض سيمر وتبقى العلاقات بين البلدين اللتان ترتبطان بأواصر أخوية أبدية وتتبادلان الاحترام باعتبارهما قوتان إقليميتان كبيرتان".
وفي هذا الإطار قلَّلت الحماقي من إمكانية أن تنعكس حالة التوتر السياسي بين الحكومتين بالسلب على واقع العلاقات الاقتصادية بالنظر إلى حرص رجال الأعمال من الطرفين على استمرار مصالحهم، غير أنها توقَّعت أن ينحصر تأثير القرار على إمكانات توسيع حجم العلاقات التجارية وإقامة المشروعات المشتركة على المديين القريب والمتوسط.
والأيام المقبلة وما ستحمله من خطوات وإجراءات تتخذها الحكومتان ، تبقى كفيلة بتحديد شكل العلاقات المسقبلية بين مصر وتركيا.
أرسل تعليقك