بقلم : عبد المنعم سعيد
وقت الكتابة كانت علامات انتقال الحرب الروسية ــ الأوكرانية إلى مرحلة المفاوضات قد حلت. وقبل زمن ذكر الجنرال «البروسي» (بروسيا إقليم من الأقاليم الألمانية قبل الوحدة فى دولة واحدة) «كارل فون كلاوزفيتز» أن الحرب ما هى إلا استمرار للسياسة بوسائل أخري. العبارة شائعة، فإذا كانت السياسة تقوم على إدارة التناقضات والتنافس فى عالم البشر والأمم؛ فإن الحرب ما هى إلا وسيلة تضاف لوسائل مثل الدبلوماسية والاقتصاد والإعلام وعناصر القوة الصلبة والناعمة والذكية. وعلى مدى سنوات ثلاث استعرت حرب وضعت الأمن الأوروبى على محك المنافسات الروسية مع حلف الأطلنطي. المنافسة قامت على نوعين من السعي: روسى جاء مع قيادة «فلاديمير بوتين» وسعيه أولا استعادة روسيا السوفيتية من خلال استرجاع إقليم القرم من أوكرانيا فى عام 2014، وقبلها من جورجيا فى 2008 عندما ضم إقليمى أبخازيا و جنوب أوستيا. وربما كان الأهم أن الدافع الروسى كان «مراجعة» النظام الدولى الأحادى القطبية الذى تزعمته الولايات المتحدة لعقدين.
على الجانب الآخر بات حلف الأطلنطى متوسعا إلى الالتصاق بالحدود الروسية عندما انضمت دول البلطيق الثلاث إلى الحلف؛ وساد الاعتقاد أن أوكرانيا سوف تلحق بها. هذا الوضع الإستراتيجى القلق دفع روسيا لمحاولة ضم إقليم «الدونباس» وفتح الطريق بينه وبين «القرم»؛ أما أوكرانيا فأصبحت هى الجبهة الحامية لبقية أوروبا فاندفعت لها المساعدات الأوروبية والأمريكية لكى تصمد وتشن هجمات مضادة وحتى تدخل الأراضى الروسية فى كورسك. العامل الجديد فى الموضوع هو ظهور الرئيس ترامب صاحب العلاقة الخاصة والغامضة مع البنوك الروسية فى الماضي، وفلاديمير بوتين عندما بات رئيسا فى الفترة الأولي. الآن فى الفترة الثانية فإن الإدارة الأمريكية تختلف جذريا عن كل الإدارات السابقة، وعلينا أن نترقب أن هناك أكثر من نوع من المفاوضات: أولها بين واشنطن وموسكو فى ناحية؛ وبين واشنطن وكييف من ناحية أخري؛ وثانيها بين واشنطن وأوروبا حيث حلف الأطلنطى والاتحاد الأوروبي.