القيسونى بين اشتراكية عبدالناصر وانفتاح السادات

القيسونى.. بين اشتراكية عبدالناصر وانفتاح السادات

القيسونى.. بين اشتراكية عبدالناصر وانفتاح السادات

 العرب اليوم -

القيسونى بين اشتراكية عبدالناصر وانفتاح السادات

بقلم : فاروق جويدة

 فى حياة كل منا لحظات قدرية ترسمها إرادة الخالق وتحدد مسارها بعيدًا عن الحسابات والأحداث والأحلام، وقد تكون فى زمن طال أم قصر، أو أشخاص تحملنا الأقدار إليهم، ولكنها تبقى فى الذاكرة، ويبقى أصحابها علامات فى حياة الإنسان حتى إن اختلفت الطرق.

◙ فى أول مشوارى فى الأهرام، وجدت نفسى محررًا اقتصاديًا، واحترت بين الشعر والأرقام، ورغم أنها كانت مصادفة غريبة بدأتها رافضًا، فإنها كانت من أهم التجارب التى أضافت الكثير لفكرى ومواقفى وقناعاتى .. عشر سنوات كاملة عشتها مع الأرقام فى مرحلة صعبة شهدت تحولات كثيرة، تعلمت فيها وتابعت الأحداث من خلالها، وأضافت لى رصيدًا من المعرفة ما كان يتاح لى فى ظروف أخرى، فأصبحت قريبًا من عالم الاقتصاد واقتربت كثيرا من سلطة القرار..

◙ فى هذه الرحلة، عشت تجربة ثرية فى حضرة أبرز أساتذة الاقتصاد فى مصر  وهو الدكتور عبدالمنعم القيسوني.. كان رجلًا فاضلًا، عالمًا، شارك فى صنع القرار فى فترات عصيبة، وعاش تجارب متناقضة فى الفكر والمواقف والسياسات والتحديات، وإن بقى ملتزمًا بقضايا وطنه .. اقتربت كثيرًا من الدكتور القيسوني، وعندما سافر الأستاذ إبراهيم نافع للعمل فى البنك الدولي، كانت فرصة كبيرة أمامى لكى أقترب أكثر من صنع القرار.

◙ لم أشهد تجربة القيسونى مع عبدالناصر، فقد أحاط عبد الناصر نفسه بعد ثورة يوليو بعدد من شباب مصر العائدين من الدراسة فى الجامعات الأوروبية، وشكَّل منهم فريقًا من الخبراء والوزراء والمستشارين، وكان فى مقدمتهم الدكتور القيسوني، وزير الاقتصاد والخزانة والمالية، وكان منهم عزيز صدقي، والدكتور عبدالجليل العمري، وعلى الجريتلي، ونجيب هاشم، وصدقى سليمان، وفتحى رضوان، وثروت عكاشة، ويوسف السباعي، وفى مقدمة هذا الفريق الأستاذ هيكل، الصديق والمفكر والكاتب الكبير.. من خلال الدكتور القيسوني، عرفت هذه النخبة، منهم من بقى فى منصبه، ومنهم من انسحب من الأضواء، مثل الدكتور العمري، والجريتلي، وفتحى رضوان، وكلٌّ منهم أدى دوره بطريقته.. فوجئت بالأستاذ هيكل يسألنى : متى رأيت القيسوني؟ قلت : منذ أيام قليلة .. قال: اذهب إليه، سوف يأتى فى منصب جديد..

◙ كان الزعيم قد رحل، وبدأت مصر تشهد عواصف جديدة، تخلص السادات من مراكز القوى فى ثورة مايو، وانقلب على تجربة ناصر الاشتراكية، واتجه غربًا إلى أمريكا، وفتح أبواب الاقتصاد على مصراعيها، ودخلت مصر مرحلة جديدة من العواصف.. كنت أزور الدكتور القيسونى بلا منصب فى مكتب متواضع فى شارع الشواربى وسط القاهرة، ولم ينسَ طوال حياته دور الأستاذ، فى جلسات طويلة، كنت أتعلم منه، وكان يعتز كثيرًا بتجاربه الوزارية مع عبدالناصر، وكان يقول عن عبدالناصر إنه مستمع جيد لكنه صاحب القرار.. أنهيت حديثى مع الأستاذ هيكل، وأمام بيت القيسونى وجدت حشودًا من البشر جاءوا لتهنئته بالمنصب الجديد، رئيس مجلس إدارة المصرف العربى الدولي، الذى تشارك فيه مصر وعُمان وليبيا وقطر ودول عربية أخرى.. هنأت الدكتور القيسونى بالمنصب الجديد، وكان البنك خارج منظومة البنوك الحكومية، ومازال وله صلاحيات خاصة، وتحكمه اتفاقية دولية بين الدول المشاركة فيه.. يومها، أجريت حوارًا فى الأهرام حول البنك الجديد، عاد به الدكتور القيسونى إلى الأضواء مرة أخرى مع الرئيس السادات، وكان البنك الجديد أهم شواهد سياسة الانفتاح الاقتصادي، وكان القيسونى أول رأس حربة فيها، رغم أنها كانت شيئًا مختلفًا تمامًا عن تجربته مع عبدالناصر.

◙ بدأ القيسونى سلسلة من الرحلات الخارجية للترويج للبنك الجديد، وكنت أسافر معه فى معظم هذه الرحلات، ما بين العواصم العربية والأوروبية .. كان القيسونى نموذجًا مشرفًا للمسئول المصري، كان يُستقبل كرئيس دولة، وكانت له صداقات مع أكبر رجال الاقتصاد فى دول أوروبا وأمريكا، وكانت له مكانة خاصة فى صندوق النقد الدولى والبنك الدولي، وأكبر البنوك العالمية مثل بنك أوف أمريكا، ودويتش بنك، وسوسيتيه جنرال.

◙ فى تقديري، كان القيسونى صاحب فكر انفتاحي، ولم يتعاطف كثيرًا مع سياسات التأميم والمصادرة والاستيلاء على أموال الناس، لكنها كانت سياسة دولة. . فى تجربته مع المصرف العربى الدولي، استعرض القيسونى علاقاته الدولية ورصيده التاريخى فى سلطة القرار.. كنت أجلس معه فى قاعة كبار الزوار فى مطار فرانكفورت فى انتظار الطائرة، وسألته: هل تذكر حجم التأميمات فى مصر؟ بكم تقدرها فى ذلك الوقت ؟ قال : على الأقل مليارا دولار، بخلاف الأراضى الزراعية التى وُزعت على الفلاحين. . كان هيكل يرى أنه كان يعارض التأميمات والمصادرة، وكان يعارض أكثر السجون العشوائية للنخبة.

◙ كان الدكتور القيسونى يحيط نفسه بفريق عمل كبير، منهم من أصبح وزيرًا مثل الدكتور حامد السايح، وجمال الناظر، ومنهم من كان شريكًا فى البنك مثل أحمد فؤاد، رئيس بنك مصر، وبدر الدين حمدي، وشريف لطفي، وكان وزيرًا للتعاون الدولى، بجانب قامات أخرى استعان بها السادات مثل عبد القادر حاتم وممدوح سالم ورفعت المحجوب وحلمى مراد ومصطفى خليل.. عرفت كل هؤلاء فى رحلات القيسونى فى إنجلترا وألمانيا وإيطاليا وسويسرا والدول العربية. وأشهد أننى عشت مع هذه النخبة تجربة ثرية فى فترة من أكثر الفترات تحولًا فى تاريخ مصر، بجانب محمد غانم، وكامل دياب، ومصطفى رشدي، وصلاح دياب، ومحمد شتا، ومرزبان، وحجازى.

◙ مرت بى سنوات العمر، وعشت مع القيسونى فترة خصبة فى العلم والتجربة وصناعة القرار، انسحب بعدها من الأضواء، وجاءت وجوه أخرى، وتقدم عدد كبير من تلاميذه الصفوف وأصبحوا وزراء، واستمرت بيننا علاقات ود وتواصل.. ودعت الأرقام والاقتصاد، وعدت إلى واحة الشعر، بعد أن قضيت عشر سنوات من عمرى فى أكبر جامعة للاقتصاد: القيسونى أكبر وأشهر رجال الاقتصاد فى مصر، وأكثرهم تاريخًا وبريقًا، وما زالت بينى وبين ابنه، الخبير والمسئول السياحى محمود القيسوني، مشاعر ود وتواصل.

◙ قلت فى بداية حديثى إن الأقدار أحيانًا تفتح أمامنا أبوابًا نتردد فى دخولها، ثم نكتشف أن هناك إرادة أكبر منا، وأن الخالق قد رسم لنا طريقًا غير ما أردنا.. لم أدرس الاقتصاد، ولكن الله هيأ لى أعظم عقول الاقتصاد، عشر سنوات وما بعدها، وجلست وتعلمت على يد القيسوني، أستاذ الأساتذة. ومن خلاله، كنت شاهدًا على تجربتين هما أخطر الأحداث فى تاريخ مصر الحديث: اشتراكية عبد الناصر، وانفتاح السادات، وقد عشتهما واقعًا وفكرًا.. ويوم أن كلفنى الراحل الكبير على حمدى الجمال بأن أكون مشرفًا على إنشاء أول صفحة ثقافية يومية فى الصحافة العربية، أكملت مشوار الرحلة، وفى كل مرحلة كنت أجد يدًا وعقلًا وتجربة أتعلم منها، ومازلت..

 

..ويبقى الشعر

نِيلٌ لأيَّ زمَان صرْتَ يَا نِيلُ
هلْ كلُّ لغـو لديكَ الآنَ تنزيلُ ؟
هلْ كلُ زيف تَراه الآنَ معجزةً
هلْ كلُ سُمَّ على كفيكَ تقبيلُ؟
هلْ كلُ فجْر على الأشْهادِ تَصلبهُ
 هلْ كلُ نارٍ على عَينيْك قِنديِلُ؟
هلْ كلُ من شَيدَ الأصْنامَ تعبدهُ
أمْ كلُّ مَنْ بهْرجَ الكلماتِ جبريلُ؟
أيْنَ الشَّموخ الذى أصْبَحتَ تجهلهُ
  السـَّـيْفُ ماتَ ..فأغرتنَا الأقاويلُ
       ***
عـــِـشْنا مَع الحــُـبّ أطـْـفالاً تُدللنـَـا
تنسَابُ شوْقا ..وبعْضُ الشَّوق تدلِيل
كُنتَ الحَبيبَ الذِى دَاوَى مَوَاجِعنَا
 أيْنَ الهَوى والمُنَى ..أين المَواوِيلُ؟
قـدْ كُنتَ يَا نيلُ خَمراً لاَ نُحرَّمُها
أصْبحْتَ سُمّا.. فهلْ للِقتل تَحليلُ؟
قَدْ شَوهُوا الصبحَ فيِ عَينيْكَ مِنْ زَمَنٍ
فـَـــالطين مِسكُ..وخِزْيُ العَارِ إكْليلُ
كَمْ مَاتَ صَوْتي. فَهلْ أدْمنتَ مَقتلنَا
هــلْ كُلُّ قـــوْل وإنْ يَخْدعْكَ إنجيلُ؟
الصَوتُ صَوْتى ..تُراكَ الآنَ تُنكِرُهُ
أمْ ضَاعَ صَوْتَى لأنَّ العُرسَ تَطبِيلُ؟

       ***
قـَــالـُوا لنَا منْ يَذوقُ النَّهرَ يـذكُرُه
الناسُ تنْسَى ..فبعْضُ العِشق تَذليلُ
 كُنت الشُموخ الذِى لاَ شَيْء يَرهــبُهُ
فـَالماءُ وَحْيٌ..وصَوتُ الطَّيْر تَرتيلُ
 كُـــنتَ المَلِيك الذِى يــأتيِ ونَحـــملُهُ
فـالزَّهرُ يَشْدُو وهمْسُ الكَونِ تَبجيلُ
 كُنتَ الإلـــهَ الذِى يــختالُ فيِ وَرَعٍ
مــــــات الإلــهُ لأنَّ الوْحــيَ تَضلِيلُ

       ***
وَجهى الذِى لم يَعدْ وَجْهى..أطارِدُهُ
فى كُــــل شْيءٍ..فيبدُوا فِيــك يَا نِيـلُ
فــيِ الطَّيــن ألـقاهُ حِينًا..ثُم أحْملُـه
 مَــزقتَ وَجْهِي..ومَا للوجهِ تبديلُ
وَجْهى الذى ضَاعَ فى عَينيكَ مِنْ زَمَنٍ
 يـَـجفُــو قـَـليلاً .وتُنسـيهِ التَّعــَـاليِــلُ
ضَيــعْتَ وَجْها جَمـيلا عِشـتُ أعْشَقــهُ
مـَــا أسْوَأ العُمـْــرَ لوْ ســـــادتْ تماثيـــلُ
غَيرتَ لَونِى الذى مَا زلْتُ أذكرُهُ
أصبْحتُ مَسْخـًا..وَمَا للَّونِ تَعديلُ
فيِ كُلَّ شيءٍ نرَاكَ الآنَ تَسرقِـُنا
فـَالحــُـلمُ دَينٌ..وكُل العُمر تأجيلُ
أرْضَعتـَنَا الحُزْنَ فى الأرْحامِ نَشْربُهُ
صِرنَا دُمـُــوعًا..وملَّتنَا المـَــوَاويلُ
مَا زالَ يَا نيلُ عِشقَى فيكَ يَهزِمنِي
والعِشقُ كـَــالداءِ..لا يَشفيــِـهِ تأمِيلُ
يَكفيكَ يَا نِيلُ مَا قدْ ضَاعَ مِنْ زَمَنٍ
 لَنْ يَنفــَعَ القُبـحَ مَهمَا طالَ تَجمِــيلُ
إنْ صَارتِ الأرضُ أقزَامًا تُضللنَا
لنْ يـْرفعَ القـَـزْمَ فَوقَ الأرضِ تـَهْليلُ
أحْلامُنَا لَمْ تَزلْ فى الطين نَغرِسُهَا
إنْ يَرْحــلِ العُمــرُ..مـَـا للِحـُـلم تـَـرحِيلُ
مَا زالتِ الأسْدُ خَلفَ النهْرِ تَسألهُ
هـَـلْ يُنجبُ الطُّــهر إفــكٌ..أو أبـَـاطِيـلُ؟
فلتُغرقِ الأرضَ نورا كيْ تُطهرها
مـَـا أثـْــقلَ العـُـمرَ..سـَـجَّانُ..وتـَـنـكِيلُ
أطلِقْ أسودَ الوَغَى للنَّهرِ تَحْرُسُهُ
لـَــنْ يَحــرُسَ النْهــرَ بَعدَ اليوْمِ تَضــْـليلُ
لنْ يَقتُلوا الشَّمسَ مَهْمَا غَابَ مَوْعِدُهَا
إنْ مَزقُوا الشَّمْسَ..لَنْ تَخبُوا القناديلُ
مَا زِلتَ فيِ العَيْن ضوءا لا يُفارِقنَا
فالـــُكلُّ يَمـْـضي..وتبقـَـى أنتَ يَا نِيــلُ

arabstoday

GMT 19:21 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

القيامة بدأت في غزة!

GMT 08:18 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

حزب البقالين

GMT 08:01 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

لبنان... هل جرت في النهر مياه أخرى؟

GMT 07:59 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

هل ينتهي الحوثي ورُعاته؟

GMT 07:56 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

في أهمية ملاقاة الرعاية والدعم السعودي!

GMT 07:53 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

عن أي ترمب نتحدث؟

GMT 07:52 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

ترمب وفخ المرشد

GMT 07:49 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

الشرع والسوداني وبيانهما

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

القيسونى بين اشتراكية عبدالناصر وانفتاح السادات القيسونى بين اشتراكية عبدالناصر وانفتاح السادات



نجمات الموضة يتألقن بأزياء شرقية تجمع بين الأناقة والرقي

القاهرة ـ العرب اليوم

GMT 08:13 2025 الخميس ,03 إبريل / نيسان

وريث أرض الشام

GMT 14:49 2025 الخميس ,03 إبريل / نيسان

الذهب يتراجع من ذروة قياسية وسط جني الأرباح
 
syria-24

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Arabstoday Arabstoday Arabstoday Arabstoday
arabstoday arabstoday arabstoday
arabstoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
arabs, Arab, Arab