بقلم : محمد أمين
أعتقد أننى مازلت أعيش على بعض القراءات القديمة قبل العمل.. وهى التى خدمتنى حتى الآن.. ومنها قراءات فى الأدب والتراث وأسماء كثيرة عرفتها، منها محقق التراث العلامة محمود محمد شاكر.. عرفت منها أن الصحافة كانت رسالة قبل أن تكون مهنة أو وظيفة.. وكانت مصر غنية بأدبائها وكتابها ومثقفيها وصحفييها.. فى عصر طه حسين والعقاد، كان عندنا ندوات ثقافية ومجلات ثقافية، منها مجلة الرسالة وهى مجلة ثقافية رأس تحريرها الأديب الكبير أَحمد حسن الزيات (١٨٨٥-١٩٦٨) سنةَ ١٩٣٣ م، وكتب فيها معظم المقالات عن رموز الأدب العربى آنذاك، من مثل: زكى نجيب محمود العقاد، وسيد قطب، وأحمد أمين، وعلى الطنطاوى، ومحمد فريد أبوحديد، وأحمد زكى باشا، ومصطفى عبدالرازق، ومصطفى صادق الرافعى، وطه حسين، ومحمود محمد شاكر، والشابى!.
أسماء كلها لها قيمتها ومكانتها فى الأدب العربى، ومن هؤلاء محققق التراث العلامة أبو فهر محمود محمد شاكر (١٣٢٧–١٤١٨ هـ/١٩٠٩–٩٧ مـ) علامة فى العربية، وبحَّاثة ومحقق مصرى، وأديب ضليع، صاحب منهج فريد فى الدراسة الأدبية وتذوق البيان العربى شعرًا ونثرًا فيما سماه «منهج التذوق»!.
وفى تحقيق التراث اللغوى والأدبى والشرعى. اشتهر «شاكر» بأصالته وصرامته فى الدفاع عن العربية والتصدى لموجات التغريب. وخاض الكثير من المعارك الأدبية بشأن أصالة الثقافة العربية، ومصادر الشعر الجاهلى. حاز جائزة الملك فيصل العالمية. وأطلق عليه طلابه وعارفوه لقب شيخ العربية. وهو شقيق العلامة المحدِّث المحقِّق أحمد محمد شاكر، وابن عمَّة العالم المحقِّق عبد السلام هارون.. معناه أن انحدر من عائلة محترمة وأصيلة ورصينة!.
محمود شاكر من أسرة آل أبى علياء الحسينية فى مديرية جرجا بقرية تابعة لها تُعرف الآن بمدينة طهطا فى صعيد مصر. ولد فى الإسكندرية فى ليلة العاشر من المحرَّم سنة ١٣٢٧هـ/ ١ فبراير سنة ١٩٠٩م، وانتقل إلى القاهرة فى نفس العام مع والده، إذ عُيّن والده وكيلًا للجامع الأزهر، وكان قبل ذلك شيخًا لعلماء الإسكندرية.
نشأ الشيخ محمود شاكر فى بيئة متدينة. ولم يتلق إخوته تعليما مدنيا، أما هو ـ وقد كان أصغر إخوته ـ فقد انصرف إلى التعليم المدنى، فتلقى أولى مراحل تعليمه فى مدرسة الوالدة أم عباس فى القاهرة سنة ١٩١٦ ثم بعد ثورة ١٩١٩ إلى المدرسة القربية بدرب الجماميز، وهناك تأثر كثيرًا بدروس الإنجليزية لاهتمامهم بها ولكونها جديدة عليه. ولما كان يقضى أوقاتا كثيرة فى الجامع الأزهر فقد سمع من الشعر وهو لا يدرى ما الشعر!!، ومن الجدير بالذكر أنه حفظ ديوان المتنبى كاملا فى تلك الفترة.
وفى الجامعة استمع شاكر لمحاضرات طه حسين عن الشعر الجاهلى وهى التى عرفت بكتاب «فى الشعر الجاهلى»، وكم كانت صدمته حين ادعى طه حسين أن الشعر الجاهلى منتحل وأنه كذب ملفق لم يقله أمثال امرئ القيس وزهير، وإنما ابتدعه الرواة فى العصر الإسلامى، وضاعف من شدة هذه الصدمة أن ما سمعه من المحاضر الكبير سبق له أن اطلع عليه بحذافيره فى مجلة استشراقية فى مقال بها للمستشرق الإنجليزى مرجليوث!.