بقلم : عبد اللطيف المناوي
مرة أخرى، نعود إلى الحديث عن وحدة الصف الفلسطينى، وكأنها حلم كتب عليه التأجيل أكثر من مرة، لا نلجأ إليه إلا بعد أن تُزهق الأرواح وتُهدم البيوت وتندثر المدن. هذه المرة، جاءت الدعوة من قلب الحوار المصرى الفلسطينى، ومن الفريق جبريل الرجوب الذى أطلق نداءً صريحاً وشجاعاً عبر تصريحاته لقناة القاهرة الإخبارية: «نريد شراكة وطنية فلسطينية حقيقية تشمل حماس، ونبنيها على أساس صندوق الاقتراع لا السلاح».
الرسالة كانت واضحة ومباشرة خلال لقاء وفد حركة فتح مع وزير الخارجية المصرى بدر عبد العاطى، وهى ليست المرة الأولى التى تتحرك فيها القاهرة لمحاولة رأب الصدع الفلسطينى.. لكن المختلف هذه المرة أن فتح، بحسب تقرير موقع واللا الإسرائيلى، قدمت «خريطة طريق مفصلة» تشمل مرحلتين للحوار: الأولى تركز على القبول بقرارات الأمم المتحدة والمقاومة الشعبية السلمية، والثانية تدعو إلى مؤتمر وطنى شامل بمشاركة كافة الفصائل، برعاية مصرية، يفضى إلى إجراء انتخابات ديمقراطية على أساس شراكة سياسية حقيقية. لكن الواقع لا يزال يُكابر. فكم من مرة سبقت هذه الدعوات؟ كم من اتفاق وُقّع فى القاهرة ومكة والدوحة، وكم من مصالحة تعثرت تحت وطأة الحسابات الفصائلية؟! والآن، وفيما أكثر من ١٠٪ من سكان غزة إما تحت الأنقاض أو فى مقابر جماعية، يعيد الفلسطينيون اكتشاف أهمية الوحدة، وكأن الدم وحده هو القادر على تذكيرهم بذلك.
الخطة التى طرحتها فتح تتميز بعقلانية سياسية وتنظيمية، فهى تطلب من حماس التخلى عن سيطرتها على غزة بسبب ما حدث، وأن تقبل طواعية المقاومة السلمية، وأن تنخرط فى النظام السياسى الفلسطينى على أسس السلطة الواحدة والسلاح الموحد، وهى مطالب مشروعة فى المبدأ لكنها تتطلب مقاربة أكثر شمولاً، تعترف أيضاً بأن الانقسام لم يكن مسؤولية طرف واحد فقط.
وفى هذا المشهد، تبقى مصر حجر الزاوية.. ليس فقط لأنها الراعى التقليدى للمصالحة، بل لأن القضية الفلسطينية - كما قال الرجوب - قضية وطنية للشعب المصرى قبل أن تكون قضية جيران. وموقف القاهرة واضح فى هذا الأمر، وهو وقف العدوان، دعم الإعمار، رفض التهجير وتصفية القضية بشكل كامل، وتحقيق المصالحة الفلسطينية كمدخل لإنهاء الاحتلال وليس إدارة تبعاته.
إن الدعوة لوحدة الصف ليست شعارات تُطلق فى المؤتمرات، بل قرار سياسى بات ضرورياً هذا الوقت، يتطلب من جميع القوى، وفى مقدمتها حماس بكل تأكيد التنازل والتواضع والتفكير بمستقبل الناس لا مواقع السلطة. تتطلب كذلك التأنى قبل خوض المغامرات (غير المحسوبة) وإعلاء شأن القضية والإنسان الفلسطينى قبل أى شىء.
فإن لم يتوحد الفلسطينيون الآن، بعد كل هذا الدمار، فمتى؟ وهل ننتظر جولة جديدة من الإبادة لنكتشف مجددًا أهمية الوحدة؟
من «تانى» نقولها إن وحدة الصف الفلسطينى ليست رفاهية، بل ضرورة تحتمها الأوضاع حالياً. فهل ننتظر كارثة أخرى كى ندرك أن الانقسام هو أكبر هدية يمكن أن تقدم لإسرائيل؟