بقلم : أسامة غريب
درجة الذوق واللطف تتغير مع الإنسان النمرود تبعًا لموقعه من السلطة وزيادة أو نقصان حجم ما يحوزه من نفوذ، فإذا زادت سلطته تضاءل نصيبه من التعامل الحسن مع الناس، إما إذا تلاشت السلطة وانحسر النفوذ نجده قد أصبح بسكوتة رقيقة وتحول قلب الأسد الهصور إلى قلب خسّاية!.
مسؤول سابق كان من الذين عملوا مع مبارك، ثم باء بغضبه فركله خارج السلطة. أصبح الرجل معزولًا لدرجة أن زملاءه ومرؤوسيه كانوا يخشون أن يذكروه بخير خشية أن يلحقوا به. كتبتُ عن هذا الرجل كلمات طيبة وقتما كان محرومًا من الحنان.. وطبيعى أننى لم أمتدحه أبدًا عندما كان على الكرسى لأنه كان جزءًا من سلطة فاسدة، ولكنى رأيت فى ذلك الوقت أن الذين أتوا من بعده كانوا سيئين للغاية وعند مقارنتهم به فإنه يفضُلهم بالتأكيد. عندما ذكرته بخير فى أحد المقالات فإنه لم يصدق نفسه من الفرحة، لدرجة أنه ظل يطلبنى فى التليفون لمدة ثلاثة أيام وأنا لا أرد لأننى لا أعرف رقمه، ولما قمت بالرد وجدته يطلبنى ليشكرنى على الكلمتين الطيبتين اللتين كتبتهما عنه، ولقد خجلت فى الحقيقة من فرط الثناء الذى غمرنى به وأنا لا أستحقه، لكن كان واضحًا أنه متأثر جدًا لأن الناس أصبحت إما تلعنه أو تتجاهله بعدما جلس فى البيت ولبس الجلابية والطاقية. فى هذه المكالمة استأذن منى بكل أدب أن يزعجنى ويكلمنى من وقت لآخر (هذا نص كلماته) لأنه من المعجبين بكتاباتى من زمان!. لم أصدقه طبعًا، لكنى كنت رفيقًا به وبادلته لطفًا بلطف بعدما شعرت إلى أى حد يصير الإنسان هشًا ضعيفًا بعد أن يضيع منه النفوذ والهيلمان. وبالفعل ظل الرجل مداومًا على الاتصال بى بمعدل مرة كل شهر تقريبًا.
مرت الأيام وعاد الرجل للسلطة من جديد على نحو غير متوقع، فرأيت أنّ من الواجب أن أهنئه وأطلب منه أن يقدم ما يجعل الناس تذكره بخير بعد أن واتته الفرصة من جديد.. لكن العجيب أن الأفندى لم يرد!. ظللت أضرب كفًا بكف وأنا لا أصدق كيف يتغير البشر بين يوم وليلة.. ما أدهشنى أننى لم أكن أريد منه أى شىء، وهو يعلم ذلك، لكنه مع هذا وجد أن الظروف التى كانت تدعوه للذوق واللطف قد تغيرت!.
شخص آخر من أهل اليسار المشتغلين بالسياسة والنضال وادعاء الدفاع عن الغلابة كان يتصل بى من وقت لآخر يشكو غدر الزمان ونذالة الخلان، وعندما ترشح لعضوية مجلس الشعب بعد ٢٥ يناير على قوائم الإخوان فإنه فاز بعضوية المجلس للمرة الأولى والأخيرة فى حياته. بعد الفوز رأيت أن أهنئه فاتصلت به، لكن سعادة النائب لم يرد!. بعد ذلك شاءت الأقدار أن يتم حل المجلس ويطير الكرسى من أخينا. عندما اتصلت به بعدما صار مواطنًا عاديًا فإنه رد على الفور.. لم أكن أريد محادثته، قال: آلو، فلم أقل شيئًا، لكن ما خرج منّى كان ضحكات مخلوطة بأصوات إسكندرانى ثم أقفلت الخط!.