بقلم : مصطفى الفقي
ذات صباح مشمس وبعد أن عرضت البوسطة السياسية على الرئيس مبارك فى حديقة منزله بادرنى فجأة قائلاً: هل أنت خريج كلية الاقتصاد فى جامعة القاهرة؟ فقلت له نعم، فأردف قائلاً: سوف نزورها اليوم زيارة بغير ترتيب، ولقد طلبت من رئيس الديوان القيام بهذه الزيارة ظهر اليوم إلى مبنى الكلية فى جامعة القاهرة، علمًا بأننى لم أقم بزيارة خاصة لكلية جامعية إلا لكلية دار العلوم فى عيدها المئوى (وقتها) باعتبارها من أقدم الكليات العريقة فى بلادنا، وامتزجت لدى على الفور مشاعر السعادة مختلطة بمسحة من الدهشة.
وبالفعل لم تمض ساعتان إلا وكنّا فى قاعة اجتماعات مجلس كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بحضور عدد من أعضاء هيئة التدريس الذين تمت دعوتهم على عجل ولكن إغراء لقاء رئيس الجمهورية جعل الحضور كاملاً تقريبًا، وجلس الرئيس على منصة فى مواجهة الأساتذة والمدرسين والمعيدين وقد كانوا صفوة منتقاة من العقول المصرية فى مجالات الاقتصاد والسياسية والإحصاء والإدارة، وجلست أنا شخصيًا على مسافة قريبة من رئيس الجمهورية الذى كنت أعمل معه سكرتيرًا للمعلومات والمتابعة منوطًا بى تغطية الشؤون السياسة وعرض برقيات الخارجية ومتابعة الأحداث داخليًا وخارجيًا.
ويومها تحدث رئيس الجمهورية عن الأوضاع الدولية والإقليمية وذلك فى نهاية ثمانينيات القرن الماضى، أى قبيل غزو العراق للكويت بعامٍ أو عامين، ودار نقاش طويل وحوار حر حول السياسات السائدة فى المنطقة والعلاقات المختلفة بين مصر والقوى الكبرى فى العالم آنذاك، فضلاً عن العلاقات العربية العربية فى وقتٍ كانت فيه القطيعة الدبلوماسية بين مصر وشقيقاتها العربيات فى أواخر عهدها بعد عقدٍ كامل من الإقصاء إثر زيارة الرئيس المصرى أنور السادات للقدس فى مشهدٍ تاريخى لا نظير له، ولذلك كان النقاش بين أساتذة الكلية ورئيس الدولة نقاشًا ساخنًا.
أتذكر الآن أن أستاذنا الدكتور عز الدين فودة قد لفت نظر الرئيس الراحل بسبب جرأته الشديدة، محذرًا الرئيس مبارك والدولة المصرية من مخاطر حكم صدام حسين ومواقفه الحادة، مذكرًا إياه بما قاله الرئيس الراحل السادات عندما كان الأستاذ الدكتور أحمد كمال أبو المجد وزير الإعلام يستأذنه فى حضور مؤتمر لوزراء الإعلام العرب يفتتحه صدام فى العراق، إذ قال له السادات يومها إننى أحذركم جميعًا لأن ذلك الرجل الذى يحكم العراق سوف يجر المنطقة كلها إلى كارثة مروعة تؤثر على مستقبل المنطقة لسنوات قادمة.
وكأنما كان السادات يقرأ فى كتاب مفتوح ويرى ما لايراه غيره، وعندما عدنا إلى مقر الرئاسة فى صبيحة اليوم التالى بدأ الرئيس يسألنى عن الأساتذة، مبديًا إعجابه بالدكتور عزالدين فودة، وقد كان عالمًا رصينًا فى تخصصه «القانونى الدولى» كما كان خريج جامعة أوبسالا فى السويد، وكان رجلاً صريحًا واضحًا وإن كان يبدو حاد المزاج أحيانًا.. كانت تلك زيارة تاريخية فى يوم لا أنساه أبدًا، يتذكره أساتذة الكلية الأحياء منهم حتى الآن.. رحم الله من رحلوا عن دنيانا.