بقلم : مصطفى الفقي
هو ابن العسكرية المصرية وواحد من أبرز السفراء لمصر فى الخارج بعد ذلك، إنه «سعد الشاذلى» الذى وصل إلى واحدة من أعلى الرتب العسكرية باعتباره رئيس أركان القوات المسلحة المصرية فى حرب أكتوبر ١٩٧٣، وقد يتساءل البعض لماذا أكتب عنه كثيرًا مع أننى أنهيت فترة قصيرة لتجنيدى دون أن أحمل شرف العمل تحت قيادته وهو رقم ٢ فى القوات المسلحة المصرية حينذاك.
والرد على ذلك ببساطة هو أننى قد عملت معه عن قرب لما يزيد على عام ونصف العام عندما جمعتنى به الظروف وهو سفير فى المملكة المتحدة فى العاصمة البريطانية بعد الخلاف الاستراتيجى الشهير بينه وبين الرئيس الراحل أنور السادات حول أسلوب مواجهة الثغرة والوصول الإسرائيلى لغرب قناة السويس، وجدير بالذكر أن سعد الشاذلى لم يكن جديدًا على العمل الدبلوماسى والتعامل مع النماذج الأجنبية عسكريًا ومدنيًا، فقد عمل ملحقًا عسكريًا لمصر فى لندن قبل ذلك حيث كان يرجع إليه الفضل فى أن يكون أبزر المؤسسين لسلاح المظلات المصرى قبل أن ينتدب أيضًا مندوبًا مراقبًا فى حرب «بيافرا» النيجيرية فى وقت كان فيه العميد أحمد إسماعيل يشرف على القوات المصرية هناك، أما ما أريد أن أرويه اليوم عن ذلك البطل الجسور فهو أن أنبه إلى ذكائه الدبلوماسى وفطنته الواضحة وقدرته على التنبؤ بمستقبل من يعمل معه.
فهو الذى تنبأ للسيدة مارجريت تاتشر بأنها سوف تكون واحدة من أشهر وأنجح رؤساء الحكومات فى التاريخ البريطانى، وهو الذى جعل الاحتفال بيوم إفريقيا فى لندن كل عام يبدأ من مبنى السفارة المصرية، وهو الذى حاور السفير الإسرائيلى فى لقاءٍ غير مباشر على شاشات التليفزيون البريطانى، وكان ذلك أمرًا غير مسبوق يحتاج إلى الكثير من الجرأة والشجاعة، وأتذكر الآن جيدًا أنه اتصل بى ذات صباح فى يوم السبت والسفارة مغلقة يطلب منى الحضور إليه لأمر هام فى مبنى السفارة، وبادرنى قائلا يا أبو سارة وكان ينادينى باسم ابنتى الثانية التى ولدت وأنا أعمل معه فى السفارة، فقال لى إن السيدة زينات متولى قرينته قد جرى الإساءة لاسمها المحترم ومكانتها الرفيعة وهى زوجة السفير المصرى فى لندن وشقيقة الفريق سعد الدين متولى، كبير الياوران فى عهد عبدالناصر، وأضاف إن إحدى وكالات الأنباء الكبيرة قد أذاعت أنه جرى اكتشاف تورطها فى السرقة من أحد المحلات، ولم تكن هى المقصودة بالطبع بل كانت سيدة أخرى زوجة لمسؤول قادم من مصر كان يحمل جواز سفر برقم سفير عادى وليس سفير مصر فى لندن، كما أذاعت الوكالة، وطلب منى وأنا مسؤول عن شفرة التواصل مع وزارة الخارجية بأن أخطرهم باضطرار السفير المصرى فى لندن للجوء إلى القضاء لطلب تعويض كبير من وكالة الأنباء التى تورطت فى الخبر المغلوط، وبالفعل تم التراضى والمصالحة بتعويض قدره خمسة وستون ألف جنيه إسترلينى رصدها السفير المصرى العظيم والقائد العسكرى الراحل سعد الشاذلى كمعونة مالية لدعم الطلاب العرب والمصريين الذين يدرسون فى الجامعات البريطانية حينذاك.. أليس ذلك الرجل عسكريا فذا ودبلوماسيا رائعا؟، رحمه الله.